التقاعد بالمغرب على صفيح ساخن.. هل تقترب الحكومة من حسم الإصلاح المؤجل أم من فتح جبهة اجتماعية جديدة؟

الرباط: المهدي الجرباوي

يدخل ملف إصلاح أنظمة التقاعد بالمغرب منعطفاً حاسماً بعد أشهر من الاجتماعات التقنية التي جمعت المركزيات النقابية بمسؤولي صناديق التقاعد الأربعة، في محاولة لتشخيص واقعها المالي واستشراف قدرتها على الاستمرار في مواجهة الالتزامات المستقبلية. ويأتي هذا المسار في سياق تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بالتوازنات الديمغرافية والمالية، بينما يترقب ملايين الأجراء والمتقاعدين وضوح الرؤية بشأن طبيعة الإصلاح الذي تعتزم الحكومة اعتماده.

وقد شكلت اللقاءات الأخيرة مناسبة للوقوف على الوضعية الخاصة بكل صندوق على حدة، حيث اختتمت الجولة باجتماع مع مسؤولي الصندوق المهني المغربي للتقاعد، الذي يتميز عن باقي الأنظمة بكون الانخراط فيه اختيارياً بالنسبة للأجراء وأرباب العمل ومقاولات القطاع الخاص.

ووفق المعطيات التي تم تقديمها خلال هذا اللقاء، فإن الصندوق يوجد في وضعية مالية مريحة نسبياً مقارنة ببعض الأنظمة الأخرى التي تواجه تحديات أكبر على مستوى التوازنات المالية والاكتوارية.

وتكشف هذه المعطيات عن مفارقة لافتة؛ فبينما تعاني بعض الصناديق من ضغوط متزايدة بسبب ارتفاع عدد المستفيدين وتراجع نسبة المساهمين، يبدو أن الصندوق المهني المغربي للتقاعد استطاع الحفاظ على قدر من الاستقرار المالي بفضل طبيعة تدبيره وهيكلته الخاصة. غير أن النقابات شددت على أن سلامة المؤشرات المالية لا تعفي من طرح أسئلة مرتبطة بالحكامة والتمثيلية داخل أجهزة اتخاذ القرار.

وفي هذا الإطار، أثارت المركزيات النقابية مسألة غياب ممثلي الأجراء عن الهيئات المسيرة والرقابية للصندوق، معتبرة أن أي نموذج ناجح للتقاعد لا يقاس فقط بسلامة حساباته المالية، بل أيضاً بمدى إشراك المنخرطين وممثليهم في مراقبة التسيير وضمان الشفافية. فالتوازن المالي، مهما كان مهماً، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحكامة الجيدة التي تشكل إحدى ركائز الثقة في أنظمة الحماية الاجتماعية.

ومع انتهاء مرحلة التشخيص، ينتقل النقاش اليوم إلى مستوى أكثر حساسية يتعلق بطبيعة الإصلاح المرتقب. فالنقابات تنتظر من الحكومة أجوبة واضحة بشأن الخيارات المطروحة: هل سيتم الاتجاه نحو إصلاح هيكلي شامل يوحد الأنظمة ويعيد تنظيمها؟ أم سيتم الاكتفاء بإجراءات تقنية جزئية لتأجيل ظهور الاختلالات؟ كما يظل السؤال مطروحاً حول مدى تأثير أي إصلاح محتمل على سن التقاعد ونسب المساهمة وقيمة المعاشات، وهي قضايا تثير حساسية اجتماعية كبيرة.

وتكتسي الاجتماعات المرتقبة خلال شهر يوليوز أهمية استثنائية، باعتبارها ستشكل أول اختبار حقيقي لمدى جاهزية الحكومة للانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة اتخاذ القرار. فبعد سنوات من التحذيرات والتقارير التي دقت ناقوس الخطر بشأن مستقبل بعض الأنظمة، لم يعد ممكناً الاستمرار في تأجيل الحسم دون تكلفة اقتصادية واجتماعية متزايدة.

وفي المقابل، تدرك الحكومة أن أي إصلاح لا يحظى بحد أدنى من التوافق مع الشركاء الاجتماعيين قد يتحول إلى مصدر توتر جديد، خصوصاً في ظل ارتفاع انتظارات الشغيلة بشأن تحسين الأجور وتعزيز الحماية الاجتماعية.

لذلك يبدو أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إنقاذ توازنات صناديق التقاعد، بل في إيجاد صيغة تحقق المعادلة الصعبة بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية.

وبين أرقام الخبراء ومطالب النقابات وحسابات الحكومة، يقف ملف التقاعد اليوم عند مفترق طرق حاسم. فإما أن يشكل الإصلاح المقبل فرصة لإرساء نظام أكثر إنصافاً واستقراراً للأجيال الحالية والقادمة، وإما أن يتحول إلى محطة جديدة تؤجل الحلول الجوهرية وتبقي أحد أكثر الملفات الاجتماعية حساسية مفتوحاً على كل الاحتمالات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى