بين الحظر والتوعية.. هل يقترب المغرب من تقييد وصول الأطفال إلى مواقع التواصل الاجتماعي؟

الرباط: المهدي الجرباوي

أصبح النقاش حول استخدام الأطفال والمراهقين لمواقع التواصل الاجتماعي أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة، بعدما انتقلت هذه المنصات من مجرد فضاءات للتواصل والترفيه إلى مؤثر رئيسي في تشكيل السلوك والقيم والتمثلات النفسية والاجتماعية للأجيال الصاعدة. وفي الوقت الذي اختارت فيه دول عدة تشديد القيود القانونية على ولوج القاصرين إلى هذه المنصات، يطرح السؤال نفسه في المغرب: هل يتجه بدوره نحو اعتماد إجراءات مماثلة، أم أن الحل يكمن في مقاربة تربوية وتوعوية أكثر من كونه خيارًا زجريًا؟

التجارب الدولية خلال السنوات الأخيرة كشفت عن توجه متزايد نحو تقنين استخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعي، بعدما أظهرت دراسات متعددة ارتباط الإفراط في استعمال هذه المنصات بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات التركيز والعزلة الاجتماعية لدى فئات عمرية صغيرة. كما دفعت المخاوف المرتبطة بالاستغلال التجاري للأطفال والتعرض للمحتويات غير الملائمة العديد من الحكومات إلى مراجعة سياساتها الرقمية وتشديد الرقابة على الشركات المالكة لهذه المنصات.

وفي السياق المغربي، تتزايد الأصوات الداعية إلى وضع إطار قانوني أكثر صرامة ينظم علاقة الأطفال والمراهقين بالعالم الرقمي. ويستند أصحاب هذا التوجه إلى ما أصبح يُسجل من حالات إدمان رقمي متنامية، وتراجع في جودة العلاقات الأسرية، فضلاً عن تنامي ظواهر البحث المبكر عن الشهرة والربح عبر صناعة المحتوى، حيث تحولت بعض الأسر إلى استثمار حضور أبنائها على المنصات الرقمية لتحقيق عائدات مالية، في مشهد يثير تساؤلات أخلاقية وتربوية متزايدة.

ويرى المدافعون عن التقنين أن المغرب لم يعد أمامه ترف الانتظار، خاصة في ظل تنامي التأثير النفسي والاجتماعي لهذه المنصات على الناشئة. فالتشريع، وفق هذا المنظور، يمكن أن يشكل حاجزًا وقائيًا يحد من التعرض المبكر للمخاطر الرقمية ويحمي الفئات الأكثر هشاشة من الاستغلال والتأثيرات السلبية التي قد تنعكس على توازنها النفسي وتحصيلها الدراسي وعلاقاتها الاجتماعية.

في المقابل، يعتقد عدد من المختصين أن الرهان الحقيقي لا يكمن في المنع بقدر ما يكمن في بناء ثقافة رقمية واعية. فالمجتمع المغربي، بخلاف بعض المجتمعات الغربية التي تعاني من تراجع أدوار الأسرة التقليدية، ما يزال يحتفظ بهامش مهم من الرقابة الأسرية والتوجيه التربوي، وهو ما يجعل التربية الرقمية خيارًا أكثر واقعية واستدامة.

وتستند هذه المقاربة إلى فكرة أساسية مفادها أن الحظر القانوني، مهما بلغت صرامته، لا يمكنه وحده مواكبة التطور السريع للفضاء الرقمي. فالأطفال والمراهقون يمتلكون اليوم وسائل متعددة لتجاوز القيود التقنية والقانونية، ما يجعل الاستثمار في تنمية التفكير النقدي وتعليم مهارات الاستخدام الآمن للإنترنت أكثر فعالية على المدى الطويل من الاقتصار على المنع والعقوبات.

وإذا كانت التجارب الدولية تكشف نجاح بعض الدول في تقليص المخاطر الرقمية عبر التشريعات، فإنها تكشف أيضًا أن القوانين وحدها لم تكن كافية دون مواكبة تربوية وإعلامية وأسرية متكاملة.

لذلك يبدو أن التحدي المطروح أمام المغرب لا يتعلق بالاختيار بين المنع أو الحرية المطلقة، بل بإيجاد توازن دقيق بين الحماية والتمكين.

وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، يبرز خيار المقاربة المزدوجة باعتباره الأكثر قدرة على الاستجابة للواقع المغربي؛ مقاربة تجمع بين ضوابط قانونية تحمي القاصرين من الاستغلال والمحتويات الضارة، وبين مشروع وطني للتربية الرقمية يشارك فيه الآباء والمدرسة والإعلام والمؤسسات العمومية.

فالمعركة الحقيقية لم تعد ضد التكنولوجيا نفسها، بل ضد سوء استخدامها، وضد ترك الأطفال يواجهون وحدهم عالماً رقمياً تتجاوز مخاطره أحيانًا قدرة الأسر والمؤسسات على المتابعة والاحتواء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى