التعليم العالي على صفيح ساخن.. النقابات تتهم الوزارة بـ”التعنت” وتلوّح بتصعيد قد يشل الجامعات

الرباط: المهدي الجرباوي

يشهد قطاع التعليم العالي بالمغرب تصاعداً لافتاً في منسوب التوتر بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار والنقابة الوطنية لموظفي التعليم العالي والأحياء الجامعية، في مؤشر يعكس تعثر الحوار الاجتماعي واستمرار تراكم الملفات المهنية العالقة.

فبعد أشهر من الوعود والالتزامات المعلنة، عاد الاحتقان ليطفو على السطح، وسط اتهامات مباشرة للوزارة بانتهاج سياسة المماطلة والتأجيل، وهو ما ينذر بدخول الجامعات والأحياء الجامعية مرحلة جديدة من التصعيد النقابي.

وفي هذا السياق، أعلن المكتب الوطني للنقابة الوطنية لموظفي التعليم العالي والأحياء الجامعية، المنضوي تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وضع نفسه في حالة انعقاد دائم، محملاً وزارة التعليم العالي المسؤولية الكاملة عن ما قد تؤول إليه الأوضاع، بسبب ما وصفه برفض فتح حوار جدي وعدم التجاوب مع طلب اللقاء الذي تقدم به المكتب الوطني منذ منتصف ماي الماضي.

وتعتبر النقابة أن استمرار تأخير إخراج النظام الأساسي الجديد لموظفي القطاع أصبح عنواناً لأزمة الثقة بين الإدارة والشغيلة، خاصة أن هذا الملف ظل لسنوات محوراً للوعود الحكومية دون أن يرى طريقه إلى التنفيذ.

كما شددت على ضرورة تسوية ملفات الدكاترة الموظفين وحاملي الشهادات، وصرف التعويض المالي المتفق عليه بقيمة ألف درهم، وتعزيز التوظيفات لمواجهة الخصاص المتزايد داخل الجامعات والمؤسسات التابعة لها.

وفي خطوة تعكس اتساع دائرة الانتقادات، طالبت النقابة الوزير عز الدين ميداوي بالوفاء بالتزاماته المتعلقة بإعفاء موظفي التعليم العالي من رسوم التسجيل الجامعي أثناء متابعة دراستهم في إطار التكوين المستمر، معتبرة أن تنفيذ هذا الالتزام لا يحتاج سوى إلى مراسلة رسمية للجامعات، وأن التأخر في تنزيله يطرح تساؤلات حول مدى جدية الوزارة في احترام تعهداتها.

ولم يقتصر الانتقاد على الملفات الاجتماعية، بل امتد إلى طريقة تدبير الموارد البشرية داخل الجامعات، حيث استهجنت النقابة استمرار إسناد مهام إدارية لأساتذة باحثين، معتبرة أن ذلك يشكل هدراً للطاقات الأكاديمية وللمال العام، ويؤثر سلباً على جودة التدريس والبحث العلمي.

كما رفضت إدراج الأساتذة الباحثين ضمن الفئات المؤهلة للتنافس على منصب المدير المالي للجامعة، معتبرة أن هذا المنصب إداري صرف، وأن المكان الطبيعي للأستاذ الجامعي هو المدرجات ومختبرات البحث والإنتاج العلمي.

كما أثارت النقابة ملف ما وصفته بالممارسات الجديدة داخل القطاع، وعلى رأسها تعيين أساتذة في مهام إدارية تحت مسمى “مكلف بمهمة”، إلى جانب تشغيل كاتبات بصفة “مضيفات” عبر شركات المناولة، معتبرة أن هذه الصيغ تفتح الباب أمام الالتفاف على القوانين المنظمة للوظيفة العمومية، وتكرس أنماطاً جديدة من التشغيل الهش داخل مؤسسة يفترض أن تكون نموذجاً في احترام القانون والحكامة.

ويأتي هذا التصعيد عقب الإضراب الوطني الذي خاضه موظفو القطاع، والذي قالت النقابة إنه عرف انخراطاً واسعاً، معتبرة أن نسبة المشاركة تعكس حجم الاحتقان الحقيقي داخل الجامعات والأحياء الجامعية، وتؤكد أن مطالب الموظفين لم تعد تحتمل مزيداً من التأجيل.

وتكشف هذه التطورات عن أزمة أعمق من مجرد خلاف حول مطالب مهنية، إذ تعكس إشكالية تدبير الحوار الاجتماعي داخل قطاع استراتيجي يشكل ركيزة أساسية لإصلاح منظومة التعليم العالي. فاستمرار التأخر في تنفيذ الالتزامات، مقابل تصاعد الخطاب النقابي، يهدد بتحويل الموسم الجامعي المقبل إلى ساحة مواجهة مفتوحة، ستكون انعكاساتها مباشرة على السير العادي للمؤسسات الجامعية والخدمات المقدمة للطلبة.

وبين وعود الإصلاح ومطالب الشغيلة، تبدو وزارة التعليم العالي مطالبة اليوم بإعادة بناء جسور الثقة مع ممثلي الموظفين، لأن استمرار سياسة الانتظار قد يفاقم الأزمة، ويجعل كلفة الاحتقان أكبر بكثير من كلفة الاستجابة للحوار وتنفيذ الالتزامات المعلنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى