
المغرب امام إختبار التحول الصناعي… فمتى يصنع لنفسه؟
الرباط: المهدي الجرباوي
لم يعد الحديث عن نجاح المغرب في استقطاب الاستثمارات الصناعية الكبرى محل جدل، فقد نجحت المملكة، خلال العقدين الأخيرين، في فرض نفسها كواحدة من أبرز المنصات الصناعية بإفريقيا والمتوسط، مستفيدة من استقرارها السياسي، وموقعها الجغرافي، وشبكة اتفاقيات التبادل الحر، إضافة إلى استثمارات ضخمة في البنيات التحتية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد يتعلق بعدد المصانع التي يتم افتتاحها أو بقيمة الصادرات التي تحققها، بل بمدى قدرة هذا النموذج الصناعي على صناعة اقتصاد وطني قوي ومستقل، ينعكس أثره على التشغيل والثروة والعدالة الاجتماعية.
ورغم الأرقام التي تقدمها الحكومة باعتبارها مؤشرات نجاح، فإن الواقع يكشف أن الصناعة المغربية لم تتحول بعد إلى المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي. فما زال الاقتصاد الوطني رهين تقلبات الموسم الفلاحي، حيث يمكن لسنة جافة أن تربك المؤشرات الاقتصادية، في حين تعجز المنظومة الصناعية، بكل ما حققته من إنجازات، عن تعويض هذا التراجع أو قيادة النمو بمفردها. وهذه المفارقة تؤكد أن المغرب نجح في بناء مصانع، لكنه لم ينجح بعد في بناء قوة صناعية متكاملة.
ويبدو أن أحد أكبر الاختلالات يكمن في طبيعة النموذج الصناعي نفسه، الذي يعتمد بشكل كبير على الشركات متعددة الجنسيات. فهذه الشركات، رغم مساهمتها في رفع الصادرات وخلق فرص الشغل، تحتفظ بالتكنولوجيا، والبحث والتطوير، ومراكز القرار خارج المغرب، بينما يقتصر الدور المحلي في كثير من الأحيان على التجميع والتصنيع وفق معايير يحددها المستثمر الأجنبي. وبهذا المعنى، يظل الاقتصاد المغربي مرتبطا بقرارات تتخذ خارج حدوده، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مدى استقلالية هذا النموذج وقدرته على الصمود أمام التحولات الدولية.
الأكثر إثارة أن آلاف المقاولات المغربية الصغيرة والمتوسطة ما تزال خارج سلاسل الإنتاج الكبرى، رغم أنها تمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني. فبدل أن تكون شريكا حقيقيا في هذه النهضة الصناعية، بقيت نسبة كبيرة منها بعيدة عن الاستفادة من المشاريع الكبرى، وهو ما يحرم الاقتصاد الوطني من خلق قيمة مضافة محلية أكبر، ويؤخر انتقال الخبرة والتكنولوجيا إلى الفاعلين المحليين.
كما أن توزيع المشاريع الصناعية يكشف بدوره عن اختلالات مجالية واضحة، إذ تواصل الجهات التقليدية استقطاب النصيب الأكبر من الاستثمارات، بينما تظل جهات أخرى تعاني ضعف البنيات التحتية وغياب المشاريع الصناعية الكبرى، مما يعمق الفوارق الترابية ويجعل التنمية الصناعية غير متوازنة.
وفي الوقت الذي ترتفع فيه نسب البطالة، خصوصا بين الشباب وخريجي الجامعات، تؤكد العديد من الشركات الصناعية أنها تواجه صعوبات في إيجاد الكفاءات المناسبة. وهذه المفارقة لا تعني نقصا في عدد الخريجين، بل تكشف عن فجوة حقيقية بين منظومة التعليم ومتطلبات الاقتصاد الحديث.
فالسوق يحتاج إلى مهارات تقنية ورقمية وهندسية متقدمة، بينما لا تزال المؤسسات التعليمية، في كثير من الأحيان، تخرج أفواجا من الشباب دون تأهيل عملي كاف.
ويبقى الرهان الأكبر هو الانتقال من اقتصاد يقوم على استقطاب الاستثمارات إلى اقتصاد ينتج المعرفة. فالدول التي تقود العالم صناعيا لم تصل إلى تلك المكانة لأنها استقبلت المصانع فقط، بل لأنها استثمرت في البحث العلمي والابتكار، وأنشأت شركات وطنية تمتلك التكنولوجيا والعلامات التجارية وتتحكم في القرار الصناعي.
إن المرحلة المقبلة تفرض على المغرب مراجعة عميقة لسياساته الصناعية، ليس بالتخلي عن جاذبية الاستثمار الأجنبي، وإنما بجعل هذا الاستثمار وسيلة لبناء صناعة وطنية قوية، تنقل التكنولوجيا، وتدعم المقاولة المغربية، وتخلق منظومات إنتاج متكاملة، وتربط الجامعة بالمقاولة، وتضع البحث العلمي في صلب المشروع التنموي.
لقد ربح المغرب معركة استقطاب المستثمرين، لكنه لم يحسم بعد معركة بناء السيادة الصناعية.
وبين النجاح في التصدير والنجاح في إنتاج الثروة الوطنية، تبقى مسافة تحتاج إلى قرارات جريئة، تجعل من الصناعة رافعة للتنمية الشاملة، لا مجرد منصة للتجميع لفائدة الأسواق العالمية. فالتحدي الحقيقي ليس أن يصنع المغرب سيارات وطائرات للآخرين، بل أن يمتلك مستقبلا القدرة على تصميمها وتطويرها وتسويقها بعقول وكفاءات وعلامات تجارية مغربية.





