لارام تخلق شركة في مجال صيانة وإصلاح وتجديد الطائرات

الرباط: المهدي الجرباوي

صدر في العدد الأخير من الجريدة الرسمية مرسوم لرئيس الحكومة عزيز أخنوش يأذن لشركة الخطوط الملكية المغربية بإحداث شركة تابعة تحت اسم “Moroccan Academy of Aeronautics SA” برأسمال أولي لا يتجاوز 300 ألف درهم.

وهو مبلغ يثير الدهشة حقاً إذا ما قورن بحجم الطموحات المعلنة، فالمرسوم الذي وقّعته بالعطف وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح يهدف إلى الرفع من عدد التقنيين المكونين سنوياً في مجال صيانة وإصلاح وتجديد الطائرات إلى أكثر من 550 تقنياً، وذلك استجابة للحاجيات المتزايدة للقطاع ومواكبة لتوسعة أسطول الشركة في مخططها الممتد إلى عام 2037.

غير أن هذا التناقض الصارخ بين التواضع المالي للرأسمال وضخامة الأهداف الاستراتيجية يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا الكيان الجديد، فهل نحن أمام أداة حقيقية للنهضة التدريبية أم مجرد هيكل إداري انتقالي مؤقت يخفي خلفه أبعاداً أخرى أكثر تعقيداً؟

إذا توقفنا عند هندسة القرار نلاحظ أن الترخيص محدود المدة بسنة واحدة فقط، وهو ما يشير إلى أن الأكاديمية قد تكون آلية تنفيذية مؤقتة تسبق هيكلاً أكبر، خصوصاً أن صدور هذا القرار جاء في سياق تفعيل اتفاقيتين أساسيتين تم توقيعهما خلال شهر دجنبر 2025، تهمّان من جهة تطوير منظومة التكوين المهني في قطاع الطيران واللوجيستيك المطاري، ومن جهة أخرى تنظيم وتدبير هذه الشركة الجديدة، ما يعني أن الأكاديمية ولدت في سياق تعاقدي محدد قد يكون مؤقتاً بطبعه.

والأكثر إثارة للانتباه هو الجمع في المرجعية القانونية بين قانون الوكالة الوطنية للتدبير الإستراتيجي لمساهمات الدولة وقانون تحويل المنشآت العامة إلى القطاع الخاص، فهذا المزيج القانوني يكشف عن نية مزدوجة لا تخلو من تناقض:

تنظيم التدبير العمومي من جهة، مع إبقاء باب الخوصصة مفتوحاً من جهة أخرى، وهو ما يضع الأكاديمية في منطقة رمادية بين القطاعين العام والخاص.

ما يزيد الموقف غموضاً هو غياب أي إشارة في نص المرسوم إلى مصادر التمويل المستقبلية أو نموذج العمل المعتمد، وهذا فراغ يستدعي التدقيق، خصوصاً أن المخطط الاستراتيجي للخطوط الملكية المغربية يتحدث عن مضاعفة الأسطول أربع مرات ليصل إلى 200 طائرة بحلول عام 2037، مع رفع عدد المسافرين إلى 31.6 مليون سنوياً وتوسيع شبكة الوجهات الدولية لتغطية 143 وجهة، وهي أرقام ضخمة تجعل رأسمال 300 ألف درهم لا يتعدى كونه رمزياً لا يليق بجسامة التحدي المطروح.

وهنا يمكننا افتراض سيناريوهين: الأول أن الأكاديمية مجرد واجهة قانونية لتجميع أصول تدريبية قائمة لدى الشركة، والثاني أن هناك خططاً لضخ رأسمال إضافي عبر شراكات استراتيجية لم تُعلن بعد، لكن النص الرسمي يبقى صامتاً تماماً عن أي من هذه الاحتمالات.

ولعل ما يُلفت الانتباه أكثر هو أن مدة الترخيص سنة واحدة فقط، ما يعني ضرورة العودة لاستصدار ترخيص جديد بعد هذه المدة، مع إسناد مهمة تنفيذ أحكام المرسوم ونشره إلى وزيرة الاقتصاد والمالية دون تحديد آليات رقابية واضحة أو معايير دقيقة لقياس الأداء، خاصة فيما يتعلق بتحقيق هدف تكوين 550 تقنياً سنوياً، وهذا الغموض التنظيمي قد يُضعف فعالية المشروع ويُخضعه لتقلبات السياسات الحكومية وتغير الأولويات، خصوصاً أن المشروع يأتي في سياق مواكبة تنفيذ أهداف عقد البرنامج الخاص بالخطوط الملكية في أفق 2037، وهو أفق بعيد قد تتغير خلاله المعطيات الاقتصادية والسياسية عدة مرات.

في ظل المنافسة الإقليمية الشرسة في مجال صيانة الطيران بين مراكز مثل دبي والدوحة وأديس أبابا، تصبح هذه الأكاديمية أداة تنافسية حاسمة.

لكن السؤال المحوري الذي يطرح نفسه بقوة: هل ستكون هذه الأكاديمية مقتصرة على تدريب الكوادر المغربية فقط أم ستتحول إلى مركز إقليمي يجذب الطلاب من أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط؟

هذا البعد الإقليمي غير واضح في النص الرسمي، رغم أن المغرب يمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً وخبرة عريقة في مجال الطيران يمكن أن تجعل منه منصة تدريبية متميزة على المستوى القاري والدولي، لكن غياب هذا الطموح في النص يطرح تساؤلات حول مدى جدية المشروع من الناحية التسويقية والتنافسية.

لا يمكننا أيضاً تجاهل أن الخطوط الملكية المغربية تملك خبرة عريقة في مجال التدريب الفني منذ عقود، من خلال مراكز التكوين التابعة لها، لكن تحويل هذا الإرث المؤسسي إلى أكاديمية مستقلة قد يعني عدة أمور في آن واحد، فقد يكون هذا التحول محاولة للانفصال عن القيود الإدارية والمالية للمقاولة الأم، أو خطوة نحو إيجاد كيان قادر على الاعتماد الذاتي مادياً عبر تقديم خدمات تدريبية للغير، أو حتى تمهيداً لخلق هيكل قابل للبيع أو للشراكة مستقبلاً، وكل هذه الاحتمالات مشروعة لكن النص الرسمي لا يوضح أياً منها، تاركاً المجال مفتوحاً لكل التفسيرات.

في الختام يمكن القول إن هذه الأكاديمية، رغم تواضع رأسمالها المثير للدهشة، تحمل في طياتها تحولاً هيكلياً محتملاً في فلسفة تدريب الطيران بالمغرب.

لكن نجاحها الفعلي سيظل مرهوناً بعدة شروط أساسية، أولها وضوح النموذج المالي والتجاري بعيداً عن الرأسمال الرمزي الذي قد يكون مضللاً، وثانيها استقلالية الحوكمة عن التقلبات السياسية والإدارية التي قد تطيح بالمشروع مع كل تغيير حكومي.

وثالثها إقامة شراكات دولية حقيقية لنقل التكنولوجيا والخبرات لا مجرد اتفاقيات شكلية، ورابعها وضع معايير أداء قابلة للقياس تتجاوز مجرد عدد المتخرجين لتشمل جودة التكوين وقابلية التوظيف والابتكار التقني.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً في ختام هذا التحليل: هل هذه الأكاديمية هي الخطوة الأولى نحو خوصصة تدريب الطيران في المغرب وجعله قطاعاً تجارياً مفتوحاً، أم أنها مجرد عملية إعادة تسمية لهياكل تدريبية قائمة بهدف تجميل الصورة المؤسسية للشركة الوطنية؟ الأيام والمراسيم القادمة وحدها كفيلة بكشف النقاب عن هذا التوجه الاستراتيجي الذي لا يزال غامضاً في كثير من جوانبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى