الرباط تقلب المعادلة السياحية.. من عاصمة إدارية إلى منافس شرس لمراكش وأكادير

الرباط: إدريس بنمسعود

لم تعد الرباط تكتفي بدورها كعاصمة سياسية وإدارية للمغرب، ولا تبدو مستعدة للبقاء أسيرة صورة المدينة التي تستقبل الزائر لساعات قبل أن يغادرها نحو وجهات سياحية أكثر شهرة.

فالأرقام المسجلة خلال النصف الأول من سنة 2026 تكشف عن تحول لافت في موقع العاصمة على الخريطة السياحية الوطنية، وتطرح سؤالا أكبر حول ما إذا كانت الرباط بصدد الانتقال فعلا من وجهة للزيارة العابرة إلى مدينة تستقطب السياح للإقامة والاستجمام والإنفاق.

المعطيات السياحية الحديثة تشير إلى أن فنادق الرباط سجلت معدل ملء بلغ 66 في المائة خلال يونيو 2026، بارتفاع نسبته 9 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من السنة الماضية.

فيما ارتفع متوسط سعر الغرفة إلى حوالي 2228 درهما خلال الفترة الممتدة من يناير إلى يونيو، بزيادة بلغت 16 في المائة. والأكثر دلالة أن العائد لكل غرفة متاحة سجل نموا بنسبة 23 في المائة خلال النصف الأول من السنة، وهي قفزة تتجاوز مجرد ارتفاع أعداد الوافدين، لأنها تعكس تحسنا في القيمة الاقتصادية التي تحققها المدينة من نشاطها السياحي.

وعلى المستوى الوطني، اقترب معدل ملء الفنادق من 60 في المائة خلال يونيو، بينما بلغ عدد السياح الوافدين إلى المغرب نحو 8.9 ملايين خلال الأشهر الستة الأولى من السنة، بزيادة تقارب 19 في المائة، بالتزامن مع ارتفاع الطاقة الجوية المتعاقد عليها للموسم الصيفي إلى 7.74 ملايين مقعد.

غير أن أهمية أرقام الرباط تكمن في كونها تأتي في سياق إعادة تشكيل تدريجية لصورة العاصمة داخل السوق السياحية المغربية.

فالرباط التي ارتبط اسمها لعقود بالإدارة والمؤسسات والبعثات الدبلوماسية والمؤتمرات، بدأت تكتشف معادلة سياحية مختلفة تقوم على الجمع بين البحر والثقافة والترفيه وجودة الحياة.

وهو تحول لا يبدو منفصلا عن التطور الذي شهدته الواجهة البحرية والفضاءات العمومية والبنية التحتية، رغم بعض المؤخذات عن هدم بنايات في حي المحيط، فضلا عن تنامي العرض الفندقي وتحسن الربط الجوي.

ويرى رئيس المجلس الجهوي للسياحة بجهة الرباط سلا القنيطرة، المهدي بنشقرون، أن العاصمة تدخل مرحلة جديدة من مسارها السياحي، بعدما أصبحت، حسب تصوره، وجهة متكاملة لا تقوم جاذبيتها على التراث والثقافة فقط، وإنما تستند أيضا إلى البحر والترفيه وجودة الحياة.

وتؤكد الأرقام التي يقدمها المجلس هذا التحول؛ إذ بلغ معدل ملء الفنادق 66 في المائة خلال يونيو، فيما وصل متوسط سعر الغرفة إلى 2153 درهما، وبلغ العائد لكل غرفة متاحة 1412 درهما، مع تسجيل ارتفاع بنسبة 9 في المائة. وخلال النصف الأول من السنة، بلغ معدل الملء 58 في المائة، بزيادة 7 في المائة، بينما ارتفع متوسط سعر الغرفة بـ16 في المائة، وقفز العائد لكل غرفة متاحة بـ23 في المائة إلى 1299 درهما.

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة لأنها توحي بأن الرباط لا تراهن فقط على استقطاب أعداد أكبر من السياح، بل بدأت أيضا في رفع قيمة الإقامة السياحية، وهو عنصر حاسم في قياس جودة الأداء وليس مجرد حجم التدفقات السياحية.

فالسائح الذي يقيم مدة أطول وينفق أكثر داخل الوجهة يترك أثرا اقتصاديا أكبر على الفنادق والمطاعم والنقل والتجارة والخدمات والأنشطة الترفيهية.
لكن هذا النجاح، رغم أهميته، لا ينبغي أن يحجب التحديات التي ما تزال تواجه العاصمة.

فتحويل الرباط إلى وجهة سياحية قائمة بذاتها يتطلب أكثر من ارتفاع نسب ملء الفنادق أو زيادة أسعار الغرف. التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الدينامية إلى نشاط مستدام على مدار السنة، وعدم اختزالها في موجة صيفية أو في تأثير الظرفية الوطنية الإيجابية التي يعرفها القطاع.

وتملك الرباط، في المقابل، عناصر يصعب على وجهات أخرى جمعها في تركيبة واحدة.
فالواجهة البحرية الممتدة في اتجاه تمارة والصخيرات تمنحها إمكانية تطوير سياحة شاطئية وترفيهية، بينما يوفر رصيدها التاريخي والثقافي، بما في ذلك المدينة العتيقة والمواقع المصنفة ضمن التراث العالمي، قاعدة قوية للسياحة الثقافية.

ويضاف إلى ذلك النشاط الفني والمهرجانات والتظاهرات الدولية التي تمنح المدينة قدرة على استقطاب شرائح مختلفة من الزوار.

كما أن تطور البنية التحتية، وتهيئة الكورنيش والفضاءات العمومية وتحسين وسائل النقل والارتقاء بالعرض الفندقي، كلها عوامل ساعدت في تغيير تجربة الزائر. غير أن الرهان المقبل سيكون على ربط هذه العناصر ضمن منتوج سياحي متكامل، بدل بقائها مجرد نقاط جذب منفصلة.

وفي هذا السياق، يراهن المجلس الجهوي للسياحة على التسويق المكثف للوجهة وطنيا ودوليا، من خلال المشاركة في المعارض والملتقيات المهنية وتنظيم رحلات تعريفية لفائدة منظمي الرحلات ووكالات الأسفار، إلى جانب إطلاق حملات ترويجية موجهة وتطوير عروض تجمع بين السياحة الثقافية والشاطئية وسياحة الأعمال والمؤتمرات والسياحة الرياضية والطبيعية.

واللافت أن الرهان لم يعد فقط على جذب السائح الأجنبي؛ فالرباط تبدو أمام فرصة حقيقية لاستقطاب السياحة الداخلية والمغاربة المقيمين بالخارج، خصوصا مع تنامي الطلب على المدن التي تجمع بين البحر والثقافة والخدمات وجودة الحياة. كما أن موقعها الجغرافي وقربها من مراكز اقتصادية وسياحية أخرى يمنحها إمكانية بناء منظومة سياحية جهوية تتجاوز حدود المدينة نفسها.

ومع اقتراب الاستحقاقات الكبرى المرتبطة بكأس العالم 2030، تصبح هذه الدينامية أكثر أهمية، لأن العاصمة ستكون مطالبة ليس فقط باستقبال الزوار خلال المناسبات الكبرى، وإنما بتحويل هذه الاستحقاقات إلى منصة لتثبيت حضورها على الخريطة السياحية الدولية.

وبذلك، تبدو الرباط أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع استثمار أرقام 2026 لتغيير صورتها السياحية بشكل دائم، أم أن الأمر سيظل مجرد طفرة ظرفية مرتبطة بالانتعاش العام الذي يشهده القطاع؟ الإجابة لن تحددها أرقام يونيو وحدها، بل قدرة العاصمة على تحويل ارتفاع نسب الملء والأسعار والعائدات إلى استراتيجية طويلة الأمد تجعل من السياحة نشاطا اقتصاديا مستداما، لا مجرد قطاع إضافي إلى جانب الوظيفة الإدارية والسياسية للمدينة.

فالرباط اليوم لا تنافس فقط على عدد السياح، وإنما تنافس على مكانة جديدة داخل السياحة المغربية. وإذا نجحت في استثمار شواطئها وتراثها وثقافتها وبنيتها التحتية وجودة الحياة فيها، فقد تتحول خلال السنوات المقبلة من عاصمة يزورها السياح إلى وجهة يختارونها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى