
“من سبتة إلى الفلاحة.. لوبيات التصعيد في إسبانيا تصطدم بـ«حائط المصالح» المغربية الأوروبية”.
الرباط: إستثمار
أعادت الدعوات الإسبانية المطالبة بتعليق اتفاقية الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، على خلفية أحداث مرتبطة بمدينة سبتة المحتلة، فتح النقاش حول طبيعة العلاقات بين الرباط ومدريد، وكشفت في الوقت نفسه عن فجوة واضحة بين خطاب بعض التيارات السياسية والاقتصادية الباحثة عن التصعيد، وبين منطق الدولة الذي تحكمه المصالح الاستراتيجية والرهانات المشتركة.
ففي الوقت الذي اختارت فيه بعض الجهات الإسبانية رفع سقف المواجهة مع المغرب، عبر توجيه اتهامات مرتبطة بالمنافسة الفلاحية أو تحميل اتفاقية الشراكة مسؤولية اختلالات قطاعية، اصطدمت هذه المواقف بحسابات أوسع ترى أن العلاقة مع الرباط تمثل ورقة استراتيجية لا يمكن اختزالها في خلافات ظرفية أو مزايدات انتخابية.
وكانت جمعية منظمات منتجي ومصدري الفواكه والخضروات في ألميريا (Coexphal) من أبرز الأصوات التي طالبت بتعليق اتفاقية الشراكة، بدعوى ما اعتبرته عدم احترام المغرب لبنود الاتفاق، معتبرة أن الواردات الفلاحية المغربية تؤثر على المنتجين الإسبان. غير أن هذا الطرح يعكس بالأساس مخاوف فئة مهنية محددة، في مقابل رؤية رسمية تعتبر أن التعاون الاقتصادي بين البلدين يقوم على توازنات ومصالح متبادلة.
كما تبنت بعض الأصوات داخل اليمين الإسباني، خصوصا حزب “فوكس”، خطابا أكثر تشددا تجاه المغرب، فيما طالبت شخصيات من الحزب الشعبي بإعادة النظر في العلاقات مع الرباط. لكن هذه المواقف لم تتحول إلى توجه رسمي، بالنظر إلى تشابك المصالح الاقتصادية والأمنية التي تجعل المغرب شريكا مركزيا بالنسبة لإسبانيا والاتحاد الأوروبي.
وفي مواجهة هذه الدعوات، اختار وزير الزراعة والصيد البحري والأغذية الإسباني لويس بلاناس الدفاع عن استمرار اتفاقية الشراكة، مؤكدا أن أي تعليق للعلاقات مع المغرب سيكون قرارا غير محسوب العواقب. ويرتكز هذا الموقف على قناعة داخل الحكومة الإسبانية بأن التعاون مع الرباط يتجاوز المبادلات التجارية ليشمل ملفات حساسة، في مقدمتها الهجرة والأمن والاستقرار الإقليمي.
وتكشف الأرقام الاقتصادية حجم الترابط بين البلدين، إذ أصبحت إسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب، بينما تمثل المملكة سوقا وفضاء استثماريا مهما للشركات الإسبانية. كما أن آلاف المقاولات والقطاعات المرتبطة بالنقل والطاقة والفلاحة والخدمات تستفيد من استمرار هذه الدينامية، ما يجعل خيار القطيعة أو التصعيد يحمل تكلفة اقتصادية وسياسية مرتفعة.
ومن المفارقات أن بعض الأصوات التي تنتقد اليوم اتفاقية الشراكة مع المغرب تتجاهل أن هذا الإطار ولد في سياق توافق إسباني وأوروبي سابق، حيث تم إرساؤه خلال حكومة يقودها الحزب الشعبي نفسه، ما يؤكد أن العلاقات مع الرباط ظلت دائما جزءا من تصور استراتيجي للدولة الإسبانية، بغض النظر عن تغير الحكومات.
أما على المستوى الأوروبي، فتبدو المقاربة أكثر براغماتية، إذ تؤكد المفوضية الأوروبية باستمرار أهمية الشراكة مع المغرب، باعتبارها إحدى ركائز التعاون المتوسطي، وتشمل مجالات التجارة والاستثمار والأمن والهجرة والتعاون الاقتصادي.
وتبرز هذه التطورات أن محاولة تحويل العلاقة المغربية الأوروبية إلى رهينة للخلافات السياسية أو الضغوط القطاعية تصطدم بواقع أكثر تعقيدا، فالمغرب بالنسبة لإسبانيا والاتحاد الأوروبي ليس مجرد شريك تجاري، بل عنصر أساسي في معادلات الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة.
وبينما تراهن بعض الجهات على خطاب التصعيد لتحقيق مكاسب داخلية، تفرض لغة المصالح نفسها باعتبارها المحدد الأقوى في مستقبل الشراكة. فالعلاقات بين الرباط ومدريد وبروكسل تجاوزت مرحلة ردود الفعل الظرفية، وأصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من المصالح تجعل استمرار التعاون خيارا استراتيجيا تتقاطع حوله حسابات مختلف الأطراف.





