
تشكيل الخريطة البرلمانية الجديدة.. المعارضة تشحذ أسلحتها لمواجهة حكومة المونديال
الرباط: خالد المعطاوي
الحكومة الجديدة التي ستقود المغرب خلال الولاية التشريعية المقبلة، بدأت تتضح تدريجيا خريطة الاصطفافات السياسية داخل البرلمان، حيث تلوح في الأفق معارضة أكثر حدة مقارنة بالسنوات الماضية، يقود نواتها حزب العدالة والتنمية إلى جانب مكونات من اليسار، في مواجهة حكومة مرتقبة تحمل رهانات كبرى مرتبطة بالاستحقاقات التنموية وبالتحضير لمرحلة تنظيم كأس العالم.
وتأتي هذه التحولات في سياق سياسي جديد أفرزته نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026، والتي أعادت ترتيب موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية، بعدما تمكن حزب الأصالة والمعاصرة من تصدر المشهد الانتخابي، ليصبح في موقع يؤهله لقيادة مفاوضات تشكيل أغلبية حكومية جديدة، في انتظار القرار الملكي بشأن الشخصية التي ستتولى رئاسة الحكومة.
وفي مقابل صعود الحزب المتصدر إلى واجهة تدبير المرحلة المقبلة، اختار حزب العدالة والتنمية التموقع في صفوف المعارضة، في خطوة تعيد الحزب إلى موقع المراقبة والمساءلة بعد تجربة حكومية سابقة قاد خلالها السلطة التنفيذية لولايتين متتاليتين.
ويبدو أن قيادة الحزب حسمت مبكرا في طبيعة دورها المقبل، عبر التأكيد على العودة إلى خطاب نقدي يركز على السياسات العمومية، والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة المقبلة.
وسيجد العدالة والتنمية إلى جانبه مكونات يسارية داخل البرلمان، خاصة نواب فيدرالية اليسار والحزب الاشتراكي الموحد، الذين حافظوا على حضورهم داخل المؤسسة التشريعية، رغم محدودية عدد المقاعد، لكنهم يمتلكون تقاليد قوية في مجال الرقابة البرلمانية وطرح الملفات المرتبطة بالحريات والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفوارق المجالية.
كما يبقى حزب التقدم والاشتراكية أحد العناصر التي قد تمنح المعارضة نفسا إضافيا خلال المرحلة المقبلة، بالنظر إلى المواقف التي عبر عنها أمينه العام نبيل بنعبد الله خلال الحملة الانتخابية، حيث وجه انتقادات قوية إلى حصيلة الحكومة السابقة وإلى اختيارات بعض مكوناتها، وهو ما يرجح أن يتحول إلى حضور أكثر وضوحا داخل البرلمان.
وتختلف طبيعة المعارضة المنتظرة عن تلك التي واجهت حكومة عزيز أخنوش خلال ولايتها السابقة، إذ تشير المؤشرات الأولية إلى إمكانية تشكل جبهة برلمانية أكثر تنوعا، تجمع بين خطاب إسلامي محافظ نسبيا، وتيارات يسارية ذات مرجعيات مختلفة، إضافة إلى مكون سياسي له تجربة طويلة في العمل الحكومي والمعارضة.
وتأتي هذه الدينامية في ظرفية خاصة، إذ ستجد الحكومة المقبلة نفسها أمام ملفات ثقيلة، من بينها تسريع الأوراش الاجتماعية، إصلاح التعليم والصحة، تعزيز الاستثمار، معالجة تحديات التشغيل، وتنزيل الالتزامات المرتبطة بتنظيم المغرب لكأس العالم، وهي ملفات ستكون تحت مجهر المعارضة والرأي العام خلال السنوات الخمس المقبلة.
فنجاح الحكومة المقبلة لن يرتبط فقط بقدرتها على تنفيذ برامجها، بل أيضا بمدى قدرتها على إدارة العلاقة مع مؤسسة تشريعية قد تعرف نقاشا سياسيا أكثر قوة، خصوصا مع استعداد مكونات المعارضة لتوظيف أدوات الرقابة البرلمانية، من أسئلة شفوية وكتابية، ولجان تقصي الحقائق، ومناقشة مشاريع القوانين، لتحويل البرلمان إلى فضاء أساسي لمساءلة الحكومة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الولاية التشريعية المقبلة لن تكون مجرد مرحلة تدبير حكومي عادي، بل ستشكل اختبارا حقيقيا لتوازن جديد بين أغلبية تسعى إلى تنزيل وعودها، ومعارضة تحاول استعادة دورها الرقابي والتأثير في النقاش العمومي، في وقت ينتظر فيه المواطنون نتائج ملموسة على مستوى المعيشة والخدمات وفرص الشغل.





