تشريعيات 2026.. مشاركة بـ38 في المائة تعيد سؤال العزوف السياسي إلى الواجهة

الرباط: إدريس بنمسعود

أعادت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية المغربية ليوم 23 شتنبر 2026 النقاش حول علاقة المواطن بالفعل السياسي، بعدما كشفت الأرقام المعلنة عن تسجيل نسبة مشاركة بلغت 38,02 في المائة فقط من مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية، مقابل بقاء حوالي 62 في المائة خارج مكاتب التصويت.

وتحمل هذه النسبة دلالات متعددة، إذ تعني أن أكثر من ستة ناخبين من أصل عشرة اختاروا عدم التوجه إلى صناديق الاقتراع، وهو ما يجعل العزوف الانتخابي أحد أبرز العناوين التي طبعت هذا الاستحقاق، رغم المجهودات التي بذلتها السلطات والأحزاب السياسية من أجل تعبئة الناخبين وتشجيع المشاركة.

ولا تعني نسبة عدم المشاركة بالضرورة موقفا سياسيا موحدا أو رفضا جماعيا للعملية الانتخابية، فالأسباب التي تقف وراء العزوف تختلف من فئة إلى أخرى؛ بين من يعبّر عن عدم اهتمام بالشأن السياسي، ومن يعتبر أن الانتخابات لم تعد قادرة على تغيير واقعه اليومي، إضافة إلى عوامل مرتبطة بضعف الثقة في المؤسسات المنتخبة، أو محدودية التواصل بين الأحزاب والمواطنين، خصوصا في صفوف الشباب.

وتطرح هذه الأرقام تحديا كبيرا أمام الفاعلين السياسيين والمؤسسات المنتخبة، لأن شرعية العمل البرلماني لا ترتبط فقط بالنتائج النهائية وتوزيع المقاعد، بل أيضا بقدرة المنتخبين على توسيع قاعدة المشاركة وتعزيز الثقة في المسار الديمقراطي.

كما تفتح نسبة المشاركة المحدودة نقاشا حول مستقبل الوساطة السياسية ودور الأحزاب في تأطير المجتمع، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب، حيث أصبحت فئات واسعة من المواطنين تطالب بربط السياسة بشكل أكبر بقضاياها اليومية، مثل التشغيل، القدرة الشرائية، الخدمات العمومية، والتنمية المجالية.

وفي المقابل، فإن قراءة هذه النسبة تقتضي وضعها في سياقها العام، بالنظر إلى أن معدلات المشاركة الانتخابية تعرف تفاوتا بين مختلف الديمقراطيات، كما تتأثر بعوامل متعددة، من بينها طبيعة المرحلة السياسية، مستوى التنافس الانتخابي، وثقة المواطنين في قدرة المؤسسات على الاستجابة لانتظاراتهم.

وبذلك، تشكل مشاركة 38,02 في المائة في تشريعيات 2026 رسالة سياسية واجتماعية تستدعي من الأحزاب والمنتخبين إعادة التفكير في آليات التواصل والتأطير، والبحث عن أسباب ابتعاد جزء كبير من الناخبين عن صناديق الاقتراع، باعتبار أن توسيع المشاركة يبقى أحد رهانات تعزيز الممارسة الديمقراطية.

وتزداد دلالة هذه الأرقام عندما نضعها في سياق حجم الكتلة الانتخابية، إذ إن عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية بلغ حوالي 16 مليون ناخب، غير أن عدد الذين توجهوا فعليا إلى صناديق الاقتراع لم يتجاوز نحو 6 ملايين مصوّت.

وهو ما يعني أن القرار الانتخابي في هذه الاستحقاقات عبّر عنه جزء محدود من مجموع الناخبين، بينما ظل حوالي عشرة ملايين ناخب خارج دائرة المشاركة.
وتطرح هذه المفارقة سؤالا مركزيا حول مدى قدرة الأحزاب السياسية على استعادة ثقة الفئات غير المشاركة، خصوصا أن العزوف لم يعد مجرد ظاهرة ظرفية مرتبطة بيوم الاقتراع، بل أصبح مؤشرا على وجود مسافة متزايدة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.

فالرهان اليوم لا يتعلق فقط بتنظيم انتخابات ناجحة من الناحية القانونية والإجرائية، وإنما بمدى قدرة الفاعل السياسي على إقناع المواطن بأن صوته يمكن أن يتحول إلى أثر ملموس في السياسات العمومية وفي تحسين ظروف العيش.

إذ إن بقاء أغلبية المسجلين خارج صناديق الاقتراع يعكس، حسب عدد من القراءات، أزمة في جاذبية العرض السياسي وفي فعالية آليات التأطير والتواصل الحزبي.

كما أن هذه النسبة تفرض على البرلمان والحكومة المقبلة مسؤولية مضاعفة، لأن توسيع قاعدة الثقة الشعبية لن يتحقق فقط عبر الخطابات، بل من خلال نتائج ملموسة مرتبطة بالملفات التي تشغل المواطنين، وعلى رأسها التشغيل، القدرة الشرائية، الصحة، التعليم، والعدالة المجالية.

وفي المقابل، فإن قراءة ظاهرة العزوف تظل معقدة، إذ لا يمكن اختزالها في سبب واحد، فقد تشمل عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية مختلفة، كما أن عدم المشاركة لا يعبر بالضرورة عن موقف موحد، بل قد يكون نتيجة اللامبالاة أو ضعف الاهتمام أو اختيارات شخصية مرتبطة بالانتخابات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى