
60 سنة على تأسيس حزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية

لشكر : على مدار ستين سنة تعزز مسار الاتحاد من جيل لجيل، بالمكافحة والمكابرة والتشبث بالأمل
ألقى إدريس لشكر الكاتب الأول لحزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية كلمة بمناسبة الاحتفالية الكبرى لتخليد الذكرى الستين لتأسيس الحزب تزامنا مع ذكرى يوم الوفاء – 29 أكتوبر 2019 ، بحضور أعضاء من الحكومة ومسؤولو المؤسسات الدستورية والحكومية وأعضاء الهيئات الدبلوماسية ورؤساء وممثلو الهيئات السياسية ، ورؤساء وممثلو الهيئات النقابية والجمعوية ووسائط التواصل والإعلام .. ومما جاء فيها :
.. “ها نحن نحتفي بمرور ستين سنة على تأسيس الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تلبية لنداء المصالحة والانفتاح.
إننا نتقاسم، في هذه اللحظة، تخليد حدث يؤرخ لمسيرة المغرب بمكوناته وتعدديته، حدث انبثاق فكرة تحولت إلى إطار عمل، أرسى دعائمه وطنيون صادقون ومقاومون أبرار وعلماء متنورون. فالفكرة لم تكن وليدة رغبات شخصية أو إرادة عابرة، بل كانت تجسيدا لحركة اجتماعية، أرادت أن تسمو بالحرية المسترجعة إلى التحرر الخلاق، والدفاع عن المشروع الديمقراطي لبناء الدولة الحديثة.
على مدار ستين سنة، تعزز مسار الاتحاد من جيل لجيل، بالمكافحة والمكابرة والتشبث بالأمل: جيل الاستقلال وبناء الدولة الحديثة، وجيل إرساء الديمقراطية وتطوير المؤسسات، وجيل مناصرة الاندماج الاقتصادي والاجتماعي. وها نحن اليوم، مع جيل الثورة الرقمية المنفتح على القيم الإنسانية الكونية، والمتطلع إلى إبداع صيغ جديدة لتعزيز نجاحات الماضي، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية الحريات الفردية.
إنها رسالة جيل لجيل .. رحلة جماعية طويلة وشاقة، عززت مناعة الاتحاد في الصمود وعدم الاستسلام للمخططات المناوئة للعمل الحزبي داخل عالم متحول ومضطرب، قاريا ودوليا. فعلى الرغم من أن حركات تاريخية تهاوت، وأن منظمات وأحزابا قوية إلى عهد قريب لم يعد لها أثر، ظل الاتحاد حاضرا ومبادرا ينسج سيرته الخاصة التي هي جزء من سيرة الوطن. وظل يبني ذاكرته النضالية التي تختزن أقوى اللحظات والأحداث. أدى ضريبة ثقيلة بكل المقاييس، كما أكدت ذلك أشغال هيئة الإنصاف والمصالحة، نتيجة مواجهته للظلم والاستبداد، وآلة القمع والاختطاف والتعذيب، وتزوير الإرادة الشعبية.
ولا بد هنا من استحضار المكانة الراسخة التي ظلت لبلادنا في قلوبنا، والتي ساهمنا في تطويرها بشكل جماعي عبر ثورة الملك والشعب، والاستجابة لكل نداء وطني تعلق بالقضية الوطنية والبناء المؤسساتي وحل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية العميقة، مما أوصلنا إلى صنع التميز المغربي المتمثل في الدولة المُستقرة والآمنة، منذ الاستقلال، حيث كنا وسنظل مخلصين في إيجاد الحلول المناسبة لأية صعوبات تُواجه الوطن.
إننا، إذ نستحضر لحظات التأسيس الأولى في سياق تخليد ذكرى يوم الوفاء، نعبر عن اعتزازنا بالتضحيات الجسام لكل الرموز الاتحادية لما قدموه في سبيل الوطن وقضاياه العادلة. فبالمعاناة والصبر، استطعنا المحافظة على هويتنا السياسية ذات البعد الاجتماعي، والنضال من أجل مشروعنا المجتمعي الذي لم يعد اليوم اتحاديا فقط، بل أصبح عنوانا بارزا للوفاق الوطني الكبير لكل قوى التحديث والديمقراطية والأفق الإنساني الرحب.
لقد تأكد صواب اختيارنا الاشتراكي الديمقراطي الذي دافعنا عنه، ولا ننسى يوم أجاب الفقيد عبد الرحيم بوعبيد من كان يعيب علينا اختيارنا السياسي بكلمة بليغة: “يقولون إن الإسلام لم يأت بالاشتراكية، ونقول إن الإسلام لم يأت بالرأسمالية”. يومها تفتقت عبقرية مجتمع مغربي مكابر، اعتقد البعض من الطامعين أنه مغلوب ومغبون، والحال أنه مجتمع حي يتمتع بعبقرية ملفتة. عبقرية تكمن في ما أسماه الشهيد عمر بنجلون “روح اليقظة والمبادرة”، عبقرية أطلقت حركة الإصلاح الدستوري والمؤسساتي، وهي نفس العبقرية التي تحرك اليوم دينامية التحديث وتقوية دعائم الاستقرار والانبعاث المتجدد للأمة.
إنها مسيرة تعلمنا فيها من أجيال.. وعلمنا فيها أجيال،
تعلمنا فيها من الأولين روح التضحية، وأن الوطن أولا وأخيرا،
وعلمنا أجيال صاعدة الوفاء، والمبادرة، ورفض الاتكالية والانطواء على الذات،
إن التاريخ الاتحادي ليس ملكا للاتحاديين وحدهم، بل يشكل جزء من تاريخ الأمة، وجذرا من جذور المنظومة المغربية التي جمعت ذات يوم من سنة 1943، المغفور له محمد الخامس ومجموعة من الوطنيين الممثلين للحركة الوطنية. ولذلك، نؤكد أن الإرث الوطني ما زال مرجعا بالنسبة لنا بوصفه رافدا من روافد الحركة الوطنية، وأن كل من يتخيل أن تلك الشجرة التي أعطت الاستقلال لم تعد تثمر، خاطئ كليا.
بهذا النَفَس الوطني، سنتوجه إلى بناء المستقبل، مشددين على أن حقل الخصام واضح: إنه الخصام مع الفقر، والتقهقر الاقتصادي والاجتماعي، مع الفكر اللاعقلاني والتقليد الأعمى، مع طغيان المنطق المالي وانحراف السياسات العمومية.
لنا كل العزم في كسب الرهانات المقبلة.





