أزمة مقابر سلا تكشف فشل التخطيط وارتباك القرار المحلي حتى الموتى لم يسلموا من أزمة العقار بسلا

الرباط: إستثمار

لم تعد أزمة المقابر في مدينة سلا مجرد إشكال تقني أو عارض ظرفي، بل تحولت، مع مرور السنوات، إلى عنوان صارخ لاختلال عميق في التخطيط الحضري وتدبير الشأن المحلي، يمس واحدة من أكثر القضايا حساسية لدى المواطنين: كرامة الموت وحق الدفن اللائق. فاستنفاد المقابر المحلية لطاقة الاستيعاب، وإغلاق عدد منها تباعا، دفع المدينة إلى الارتهان شبه الكامل للمقبرة الكبرى “سيدي بلعباس”، التي أصبحت تتحمل وحدها عبء وفيات قادمة من مختلف المقاطعات، في وضع يزداد اختناقا يوما بعد آخر.

هذا الواقع الثقيل ألقى بظلاله على المشهد السياسي والاجتماعي بالمدينة، إذ باتت الأسر تعيش ضغطا مضاعفا عند فقدان ذويها، بين ألم الفقدان وصعوبة إيجاد قبر يستجيب للمعايير الشرعية والإنسانية داخل مجال جغرافي معقول. ورغم إدراك الجميع لحجم الأزمة، ظل التعاطي معها حبيس حلول ترقيعية، لا ترقى إلى مستوى التحدي الديمغرافي والعمراني الذي تعرفه سلا.

مصادقة المجلس الجماعي، خلال دورة استثنائية في نونبر الماضي، على قبول هبة عقارية لتوسعة مقبرة “سيدي بلعباس” بمساحة لا تتجاوز 2842 مترا مربعا، تكشف بوضوح هذا المنطق الظرفي في التدبير. فهذه الخطوة، وإن كانت ضرورية لتخفيف الضغط الآني، لا تعدو أن تكون مسكّنا مؤقتا، يوفر هامشا زمنيا لا يتجاوز سنة واحدة، دون أن يعالج أصل الإشكال أو يضع أسسا لحل مستدام.

الفعاليات الجمعوية والحقوقية بالمدينة كانت سبّاقة إلى دق ناقوس الخطر، محذرة من استمرار الاكتظاظ وصعوبة تنظيم عمليات الدفن، ومطالبة برؤية استباقية تضمن للساكنة حقها في دفن موتاها بكرامة، بعيدا عن الارتجال. غير أن تراكم القرارات المؤجلة، وغياب تصور بعيد المدى، جعلا من ملف المقابر قنبلة موقوتة، انفجرت اليوم في وجه الجميع.

وتجمع مختلف الأطياف السياسية محليا على الحاجة الملحّة لإحداث مقبرة نموذجية جديدة تستجيب للطلب اليومي والسنوي، وتحترم الضوابط الشرعية والتقنية. إلا أن هذا الإجماع الخطابي يصطدم، على أرض الواقع، بإكراهات العقار داخل المجال الحضري، وببطء المساطر، خاصة في ما يتعلق بالمقبرة المرتقبة بجماعة عامر، الممتدة على 40 هكتارا، والتي ما تزال رهينة بمخطط التهيئة، رغم مرور سنوات على توقيع اتفاقية الشراكة بشأنها.

إغلاق مقابر تاريخية مثل بن عاشر وباب المعلقة، دون توفير بدائل جاهزة، عمّق الأزمة بدل أن يحلها، وحوّل المقبرة الرئيسية إلى فضاء عاجز عن الاستجابة للطلبات الجديدة وفق المعايير المطلوبة. وهو ما يعكس، في العمق، غياب سياسة عمومية واضحة تتعامل مع المقابر باعتبارها جزءا من البنية التحتية الأساسية للمدينة، لا ملفا ثانويا يُستحضر فقط عند بلوغ حد الاختناق.

في النهاية، تكشف أزمة مقابر سلا عن خلل بنيوي في تدبير الزمن الحضري: مدينة تتوسع عمرانيا وديمغرافيا، لكنها تفشل في التخطيط لما هو حتمي ومشترك بين جميع سكانها. وبين حلول ترقيعية وانتظارات مؤجلة، يبقى السؤال المؤلم معلقا: إلى متى يظل حق الموتى في قبر لائق رهينا بالارتجال وضيق الرؤية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى