
مضيق هرمز يشعل أسواق النفط: هل يدفع التوتر الجيوسياسي الأسعار نحو 200 دولار ويضع الاقتصاد المغربي تحت ضغط جديد؟
الرباط: نارمان بنمسعود
دخلت أسواق الطاقة العالمية مرحلة شديدة الحساسية بعد عودة أسعار النفط إلى ما يفوق عتبة 100 دولار للبرميل، في تحول يعكس هشاشة التوازن بين العرض والطلب في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. غير أن ما يثير القلق الحقيقي لدى المتعاملين في السوق ليس الارتفاع الحالي في الأسعار بقدر ما هو السيناريو الأكثر تطرفاً: احتمال تعطل الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية لتدفقات الطاقة في العالم.
ففي تقدير يعكس حجم المخاوف التي تسود الأسواق، حذر روري جونستون، محلل أسواق الطاقة ومؤسس نشرة “Commodity Context”، خلال حديثه لبرنامج “Odd Lots” التابع لوكالة بلومبرغ، من أن استمرار اضطراب الملاحة في هذا الممر البحري الاستراتيجي قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، ربما تصل إلى 200 دولار للبرميل في أسوأ الاحتمالات. ورغم أن هذا السيناريو يظل حتى الآن افتراضاً متطرفاً، إلا أنه يعكس إدراك الأسواق لمدى حساسية الإمدادات النفطية لأي خلل في منطقة الخليج.
فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري عادي، بل يمثل نقطة عبور لما يقارب خمس الإمدادات النفطية العالمية. وأي تعطّل في حركة ناقلات النفط عبره قد يؤدي إلى صدمة فورية في السوق الدولية، نتيجة الانخفاض المفاجئ في المعروض، وهو ما يفتح الباب أمام موجة ارتفاعات حادة في الأسعار شبيهة بما عرفته الأسواق خلال أزمات الطاقة الكبرى في العقود الماضية.
وإذا كانت الاقتصادات الصناعية الكبرى تملك هامشاً أوسع للتكيف مع مثل هذه الصدمات بفضل تنوع مصادر الطاقة واحتياطياتها الاستراتيجية، فإن الدول المستوردة للطاقة بشكل شبه كامل تبدو أكثر هشاشة أمام هذه التحولات، ومن بينها المغرب الذي يظل اقتصادُه مرتبطاً بشكل وثيق بتقلبات السوق النفطية الدولية.
فالاعتماد الكبير على واردات المحروقات يجعل كل ارتفاع في أسعار النفط يتحول سريعاً إلى قضية اقتصادية داخلية، بالنظر إلى انعكاساته المباشرة على أسعار الوقود وكلفة النقل والإنتاج. وعلى عكس بعض الدول المنتجة التي تستفيد من ارتفاع الأسعار عبر زيادة عائداتها، يجد المغرب نفسه في موقع معاكس، حيث يؤدي ارتفاع النفط إلى تضخم فاتورة الطاقة وزيادة الضغط على الميزان التجاري.
وخلال الأسابيع الأخيرة بدأت ملامح هذا التأثير تظهر تدريجياً في السوق الوطنية، مع توقعات بتسجيل زيادات جديدة في أسعار المحروقات. فوفق تقديرات مهنية متداولة في قطاع توزيع الوقود، قد يصل الارتفاع المرتقب إلى نحو 1.60 درهم في لتر الغازوال، وهو الوقود الأكثر استعمالاً في السوق المغربية، بينما قد يسجل البنزين زيادة تقارب 0.86 درهم للتر.
هذا الاحتمال دفع عدداً من المستهلكين إلى التسابق نحو محطات الوقود للتزود بالمحروقات قبل دخول الزيادة المحتملة حيز التنفيذ، حيث سجلت بعض المحطات ارتفاعاً ملحوظاً في الطلب منذ الساعات الأولى من اليوم، خاصة من طرف مهنيي النقل الطرقي وسائقي سيارات الأجرة الذين يتأثر نشاطهم بشكل مباشر بأي تغيير في أسعار الوقود.
ويعكس هذا السلوك الاستباقي درجة الحساسية العالية التي تبديها السوق المغربية تجاه تقلبات أسعار الطاقة، إذ لا تظل آثار هذه الزيادات محصورة في محطات الوقود فقط، بل تمتد تدريجياً إلى مختلف حلقات الاقتصاد. فارتفاع كلفة النقل يؤدي عادة إلى زيادة تكاليف توزيع السلع والخدمات، وهو ما قد ينعكس بدوره على مستويات الأسعار في السوق المحلية ويؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي المقارنة مع أزمات نفطية سابقة، تبدو الظروف الحالية أكثر تعقيداً. فارتفاع الأسعار لا يرتبط فقط بالمخاطر الجيوسياسية، بل يتقاطع أيضاً مع اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف النقل البحري والتأمين في مناطق التوتر. كما أن الطلب العالمي على الطاقة لا يزال قوياً في عدد من الاقتصادات الكبرى، ما يقلص هامش المناورة في السوق ويجعل الأسعار أكثر حساسية لأي تطور سياسي أو عسكري.
بالنسبة للمغرب فإن استمرار هذا الاتجاه التصاعدي قد يفرض تحديات إضافية على الاقتصاد الوطني، ليس فقط من زاوية ارتفاع فاتورة الواردات الطاقية، بل أيضاً من حيث تأثيره على تكاليف الإنتاج والنقل في عدد من القطاعات الحيوية مثل اللوجستيك والصناعة والفلاحة. ومع اتساع هذه التداعيات، قد تتحول تقلبات النفط إلى عامل ضغط إضافي على التوازنات الاقتصادية وعلى مستويات التضخم.
ورغم أن المغرب قطع خطوات مهمة خلال السنوات الأخيرة في مجال الطاقات المتجددة، عبر الاستثمار في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية بهدف تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، فإن هذا التحول لا يزال في مرحلة انتقالية، ما يجعل الاقتصاد الوطني مرتبطاً إلى حد كبير بالتطورات التي تشهدها أسواق الطاقة الدولية.
وفي ظل هذا الواقع، يظل مستقبل أسعار المحروقات في المغرب رهيناً بدرجة كبيرة بمسار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
فاستقرار الأوضاع في منطقة الخليج قد يعيد شيئاً من التوازن إلى السوق النفطية العالمية، بينما قد يؤدي استمرار التصعيد إلى مرحلة جديدة من الصدمات الطاقية، قد لا تقتصر آثارها على الأسواق المالية فحسب، بل تمتد لتطال الاقتصادات الوطنية والقدرة الشرائية للمواطنين في مختلف أنحاء العالم.





