
مشروع بلخياط في الدار البيضاء بين حلم الرأسمالية المغربية وواقع التنمية المتفاوتة
الدار البيضاء: إستثمار
يُقدم مشروع “World Trade Center Casablanca” الذي يُقوده رجل الأعمال منصف بلخياط في مدخل الدار البيضاء الجنوبي، أكثر من مجرد مخطط معماري ضخم؛ فهو يعمل كمرآة عاكسة لتحولات نموذجية في الرأسمالية المغربية وصراعات التخطيط الحضري في القرن الحادي والعشرين. من جهة، يرمز المشروع، بمكوناته المتعددة من أبراج مكتبية وفندقية ومرافق للمؤتمرات، إلى الطموح الرأسمالي المغربي المتجه بقوة نحو الخدمات والأعمال العالمية، ساعيًا إلى ترسيخ الدار البيضاء كقطب إقليمي منافس على الخريطة الاقتصادية الأفريقية. هذا التوجه يضع المشروع في سياق مشاريع “المدن العالمية” التي تسعى إلى استنساخ نموذج مراكز الأعمال الدولية، مما يثير تساؤلات حول درجة أصالة هذا النموذج وقدرته على استيعاب الخصوصيات المحلية.
من جهة مقابلة، يكشف اختيار موقع المشروع في منطقة سيدي معروف، التي تُعرف بكونها حاضنة تكنولوجية واقتصادية ناشئة، عن استراتيجية ذكية لتعزيز القيمة العقارية وخلق تجمعات اقتصادية نخبوية. ومع ذلك، فإن هذا الاستهداف يسلط الضوء على ظاهرة التطور الحضري المتفاوت، حيث تُستثمر الأموال الضخمة في مناطق محددة ذات عوائد مضمونة، بينما تظل أحياء شاسعة في نفس المدينة تعاني من نقص الخدمات الأساسية. يطرح هذا التناقض إشكالية عميقة حول أولويات التنمية: هل تُبنى المدن لخدمة النخب الاقتصادية العالمية أم لتحقيق الرفاه لجميع سكانها؟
بالمقارنة مع مشاريع مماثلة في مدن أفريقية وعربية أخرى، يظهر مشروع بلخياط تشابهًا كبيرًا في الخطاب الترويجي القائم على “الرمزية” و”الجذب الاستثماري”، ولكنه يختلف في سياقه المحلي الذي يتسم بهيمنة رجال الأعمال الوطنيين على القيادة بدعم حكومي غير مباشر. هذا النموذج يختلف عن مشاريع الخليج المدعومة برؤوس أموال حكومية ضخمة، كما يختلف عن مشاريع أفريقية جنوب الصحراء التي غالبًا ما تقودها شركات أجنبية. وهنا تبرز خصوصية النموذج المغربي الذي يحاول الجمع بين ريادة القطاع الخاص الوطني والخطاب التنموي الرسمي.
ختامًا، ورغم الطموح الواضح والرؤية الاقتصادية التي يحملها المشروع، فإن جدواه الحقيقية ستُقاس بقدرته على تجاوز كونه “جزيرةً للرفاه الاقتصادي” في محيط من التحديات الحضرية، وبمدى إسهامه في تحقيق تنمية شاملة تستفيد منها جميع شرائح المجتمع. إن تأجيل دخول المشروع حيز التشغيل حتى عام 2030 يمنح فرصة للتأمل في هذه المعادلة الصعبة: هل سيكون هذا المشروع محركًا للتنمية المتوازنة، أم مجرد بيان معماري ضخم يُضاف إلى سجل الرأسمالية الزبونية في المغرب؟ الإجابة ستكشفها السنوات القادمة، لكن السؤال يظل معلقًا بين أبراج الزجاج والفولاذ، وبين واقع المدينة وطموحاتها.





