
بين تخفيض أسعار الدواء وإنقاذ الصيدليات: هل ينجح المغرب في كسر الحلقة المفرغة؟
الرباط: ريم بنكرة
يبدو أن النقاش الدائر اليوم حول إصلاح سوق الدواء بالمغرب لم يعد يقتصر على سؤال الأسعار، بل انتقل إلى مساءلة النموذج الاقتصادي الذي تقوم عليه الصيدليات ذاتها. ففي رأي حديث، دعا مجلس المنافسة إلى اعتماد أتعاب صرف الأدوية كمدخل لإعادة تثمين العمل الصيدلي، وفصل جزء من مداخيل الصيدليات عن سعر الدواء، في محاولة لمعالجة اختلالات بنيوية أبان عنها النظام الحالي.
التوصية التي أعلنها رئيس المجلس، أحمد رحو، لا تندرج فقط ضمن مراجعة تقنية لآليات التسعير، بل تعكس تحولا في الفلسفة المؤطرة لدور الصيدلي.
فالنموذج السائد يربط هامش ربح الصيدلي مباشرة بثمن بيع الدواء، ما يجعل أي تخفيض للأسعار –وهو مطلب اجتماعي ملح– ينعكس تلقائيا على مداخيله. هكذا تتحول الصيدلية إلى فاعل عالق بين مطرقة القدرة الشرائية للمواطن وسندان التوازنات المالية الخاصة بها.
في المقابل، يبرز الطيب حمضي، الباحث في السياسات الصحية، مقارنة لافتة مع تجارب دولية تعتمد نسب ربح مستقرة أو أتعابا ثابتة عن كل وصفة، باعتبار الصيدلي مقدّم خدمة صحية وليس مجرد تاجر. هذا الطرح يعيد تعريف وظيفة الصيدلية داخل المنظومة الصحية: من نقطة بيع إلى حلقة أساسية في تتبع المرضى، خاصة المصابين بأمراض مزمنة، والمساهمة في حملات التلقيح وترشيد النفقات.
المفارقة أن الجدل حول هوامش أرباح الصيدليات يتقاطع مع انتقادات حادة لأسعار الأدوية نفسها. فبحسب علي لطفي، رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة، فإن تقارير رسمية تشير إلى أن أسعار بعض الأدوية في المغرب تفوق مثيلاتها في دول مشابهة بنسبة تصل إلى 250 في المائة. وهو ما يطرح سؤالا أعمق: هل المشكلة في هوامش الصيدلي، أم في بنية التسعير ككل، بما فيها أرباح الشركات المصنعة والمستوردة؟
مقارنة مع دول مثل مصر وتونس والأردن، يبدو أن آلية المقارنة المرجعية التي اعتمدها المغرب سنة 2015 لم تكن ملائمة لواقعه الاقتصادي، إذ استندت إلى دول ذات دخل فردي أعلى، ما أثر على تحديد سقوف الأسعار. هنا يتضح أن مراجعة المرسوم المنظم لتسعير الأدوية ليست خيارا ظرفيا، بل ضرورة هيكلية لإعادة التوازن بين حق المواطن في الولوج إلى العلاج وضمان استدامة الفاعلين في السلسلة الدوائية.
من زاوية أخرى، يطرح فائض الصيدليات –المقدر بحوالي أربعة آلاف– معادلة مزدوجة: فهو من جهة يعزز التغطية الترابية والأمن الدوائي، ومن جهة ثانية يفاقم المنافسة في سوق تعاني أصلا من تقلص الهوامش. لذلك، فإن تنويع مصادر دخل الصيدلي عبر خدمات موازية، كالتلقيح وتتبع الأمراض المزمنة واستبدال بعض الأدوية، قد يشكل مخرجا لتقوية دوره الصحي دون تحميل المريض كلفة إضافية مباشرة.
الخلاصة أن الإصلاح الحقيقي لا يكمن في تخفيض الأسعار فقط، ولا في رفع هوامش الصيادلة فقط، بل في إعادة هندسة المنظومة برمتها. فالفصل بين ثمن الدواء وأجر الخدمة الصيدلية قد يحرر الصيدلي من منطق “البيع والشراء”، ويعيده إلى موقعه الطبيعي كفاعل صحي. غير أن نجاح هذا التحول يظل رهينا بجرأة الدولة في مراجعة قواعد التسعير، وضبط هوامش الشركات، وحماية القدرة الشرائية، دون التضحية باستقرار شبكة الصيدليات التي تمثل أحد أعمدة الأمن الصحي الوطني.





