الحق في المدينة بين شعارات التخطيط وإكراهات الواقع: هل تحوّلت المدن المغربية إلى فضاءات لإنتاج اللاعدالة؟

الرباط: إستثمار

في لحظة تستدعي استحضار البعد الحقوقي في النقاشات المرتبطة بتحولات العمران والتمدين، بادر المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى طرح سؤال “الحق في المدينة” في قلب فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب. وهو طرح يكتسي راهنيته من طبيعة التحولات العميقة التي تعرفها المدن المغربية، والتي كشفت عن فجوة متسعة بين التصورات النظرية للتنمية الحضرية وواقع التمدد العمراني غير المتحكم فيه.

مدينة بلا رؤية، تمدن بلا عدالة

الباحث عبد العزيز عديدي في مداخلته سلط الضوء على الانتقال التاريخي للمغرب من مجتمع قروي بامتياز إلى مجتمع يغلب عليه الطابع الحضري، مشيرًا إلى أن هذا التحول لم يواكبه تأطير مؤسساتي أو تخطيط استباقي قادر على استيعاب التحولات السوسيوديمغرافية. المدن الكبرى اليوم، وعلى رأسها الدار البيضاء، أصبحت مراكز إنتاج للثروة بنسبة تفوق 80 في المئة، لكنها في المقابل تُعد من بين أبرز مصادر الانبعاثات والتفاوتات المجالية والاجتماعية، في مفارقة صارخة بين النمو الاقتصادي والتوزيع العادل لعوائده.

مدن جديدة.. أم تجزئات عمرانية موسعة؟

أحد أبرز المآخذ النقدية التي تطرق إليها النقاش تمثلت في غياب تعريف قانوني واضح لمفهوم “المدينة الجديدة”، رغم اعتماد المغرب لسياسات في هذا الاتجاه منذ بداية الألفية. لقد تم اختزال هذه المشاريع في تجزئات سكنية تفتقر إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية، دون وعي بأن المدينة ليست مجرد تراكم إسمنتي، بل منظومة معقدة من العلاقات الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، والرمزية.

الحق في المدينة: من التنظير إلى الاحتجاج

الباحث يونس وحالو قدّم مداخلة تحمل بعدًا حقوقيًا صريحًا، حين ربط بين الحركات الاحتجاجية التي عرفتها بعض المدن المغربية خلال العقد الأخير وبين غياب العدالة المجالية في توزيع الخدمات وحرمان فئات واسعة من حقها في العيش الكريم داخل المجال الحضري. وأكد أن “الحق في المدينة” يتجاوز مفهوم السكن إلى الحق في التعليم، الصحة، النقل، الأمن، والهوية الثقافية، مشددًا على أن غياب الالتقائية بين السياسات العمومية يعمق من أزمة الثقة، ويحول المدن إلى مساحات لإعادة إنتاج الهشاشة بدل تجاوزها.

تخطيط بلا أفق، وعمران يفتقد للبعد الحقوقي

النقاش كشف عن اختلال بنيوي في طريقة تدبير المدن حيث يتم تجاهل الأبعاد الحقوقية في البرامج التنموية للجماعات الترابية، في وقت يُفترض أن تكون المدينة فضاءً لتجسيد الديمقراطية المحلية والعدالة الاجتماعية. الفاعلون المحليون، رغم امتلاكهم لبرامج عمل، غالبًا ما يفتقدون للرؤية الشاملة التي تنسجم مع روح الحقوق الكونية، ما يجعل السياسات الحضرية في كثير من الأحيان محكومة بالقطاعية والعشوائية.

من حق السكن إلى الحق في المدينة

النقاش الذي نظمه المجلس الوطني لحقوق الإنسان أعاد طرح أسئلة جوهرية: هل نمتلك فعلًا سياسة حضرية قائمة على المقاربة الحقوقية؟ وهل المدن المغربية تُدار برؤية مدمجة تعترف بالتنوع السوسيولوجي وتراعي التحولات السكانية؟ الواقع يُظهر أننا في حاجة إلى إعادة نظر شاملة في النموذج الحضري المغربي، نموذج يُدمج البعد الحقوقي في صلب التخطيط ويجعل من المدينة فضاءً للكرامة وليس مجرد فضاء للسكن.

لقد آن الأوان للتفكير في مدينة لا يُقاس نجاحها بعدد المباني، بل بمدى ضمانها لحقوق ساكنيها، وعدالة توزيع خدماتها وقدرتها على دمج جميع الفئات، لا سيما المهمشة منها في نسيجها المجالي والاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى