
إيرادات قياسية وعجز متفاقم: تحليل نقدي للواقع الاقتصادي المقلق في المغرب

إستثمار: بقلم الخبير المهدي الجرباوي
يشهد المغرب تبايناً كبيراً بين الأرقام المالية الظاهرية، مثل الإيرادات المرتفعة، والواقع الملموس، الذي يعكس تحديات حقيقية على مستوى العجز المالي والقدرة الشرائية للمواطنين.
تتصادم الأرقام التي تشير إلى إيرادات قياسية مع الواقع المقلق في النمو الاقتصادي، ما يثير تساؤلات كبيرة حول فعالية السياسات الاقتصادية المعتمدة.
إيرادات قياسية: هل هي مؤشر إيجابي أم مجرد رقمنة لأزمة؟
أعلنت الحكومة المغربية عن تحقيق مداخيل غير مسبوقة حتى نهاية أبريل 2025، حيث بلغت 144.1 مليار درهم، مسجلة زيادة بنسبة 19% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ويعد هذا الرقم إنجازًا في حد ذاته، لكنه لا يعكس بالضرورة تحسناً على الأرض. إذ أن زيادة المداخيل جاءت بشكل رئيسي نتيجة لارتفاع الضرائب، سواء المباشرة التي نمت بنسبة 35.5% أو الضرائب غير المباشرة التي زادت بنسبة 12.1%. وهنا يتبادر السؤال: هل هذه الزيادة في الإيرادات تعتبر دليلاً على تحسن النشاط الاقتصادي أم أن هذه الزيادة ناتجة عن تحميل المواطن العبء الأكبر من هذه الإصلاحات الضريبية؟
الضرائب المباشرة وغير المباشرة التي ارتفعت بشكل ملحوظ تدل على تحميل الطبقات المتوسطة والدنيا عبئاً أكبر، ما يسلط الضوء على الطريقة التي تعتمدها الحكومة في تغطية عجزها المالي.
إذ أن غالبية هذه الزيادة تأتي من جيوب المواطنين والشركات الصغيرة والمتوسطة، وهو ما يهدد الاستقرار الاجتماعي ويزيد من الفوارق الاجتماعية في المملكة.
العجز المالي: من أين يأتي وكيف يزداد؟
في الوقت الذي تحقق فيه الحكومة هذه الإيرادات القياسية، يزداد العجز المالي بشكل مقلق. إذ سجل العجز المالي خلال هذه الفترة 11.7 مليار درهم، مقارنة بـ 1.2 مليار درهم في نفس الفترة من العام الماضي.
وهذا يعكس خللاً واضحًا في التوازن المالي للمملكة، حيث تزداد النفقات العامة بشكل أكبر من الإيرادات.
السبب الرئيسي لزيادة النفقات يكمن في الاستثمارات الحكومية في مشروعات غير منتجة أو في زيادة نفقات التسيير، التي ارتفعت بنسبة 30.3%.
وهذه النفقات تشمل بشكل أساسي رواتب الموظفين الحكوميين والنفقات الإدارية، مما يشير إلى غياب الفعالية في الإنفاق العام.
في المقابل، سجلت الاستثمارات في القطاعات الحيوية مثل البنية التحتية والطاقة المتجددة زيادة ضئيلة بنسبة 17.6% فقط، ما يعكس ضعفًا في تخصيص الأموال للمشروعات التي يمكن أن تسهم في النمو الاقتصادي المستدام.
زيادة الأسعار وتأثيرها على القدرة الشرائية
على الرغم من هذه الإيرادات المتزايدة، لا يزال المواطن المغربي يواجه صعوبة في تلبية احتياجاته اليومية، وذلك في ظل ارتفاع أسعار المواد الأساسية. إذ شهدت الأسواق المغربية زيادات مستمرة في أسعار السلع الأساسية مثل الحبوب، والزيوت، واللحوم، ما أثر بشكل كبير على القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة الفئات الأكثر هشاشة.
يعود هذا التضخم إلى عدة أسباب، أهمها انخفاض قيمة العملة الوطنية وتراكم الأعباء الضريبية. ورغم أن الحكومة أعلنت عن خطط للإصلاح الاقتصادي، إلا أن هذه الإصلاحات لم تسهم بشكل فعّال في تخفيف الأعباء عن كاهل المواطن العادي. وعلى العكس، فإن غياب دعم فعلي لمخصصات المقاصة (الدعم الحكومي للمواد الأساسية) يزيد من معاناة الطبقات الضعيفة.
فجوة بين الإيرادات والنفقات: هل تعكس أولويات الحكومة؟
التزايد في الإيرادات يجب أن يواكبه تحسين ملحوظ في مستوى الحياة للمواطنين. لكن الواقع يشير إلى أن هذه الإيرادات لم تنعكس بشكل إيجابي على جودة الخدمات العامة. فرغم الزيادة في المداخيل، فإن الفوائد المباشرة للمواطنين تظل ضئيلة. لم يلمس المواطن تحسناً في التعليم، الصحة، أو النقل العام، بل على العكس، فإن هذه الخدمات تستمر في التدهور. ويبدو أن الحكومة تركز على تقليل العجز بشكل سريع دون التركيز على الإصلاحات الهيكلية التي تتطلبها هذه القطاعات.
وفي الوقت الذي تُسجل فيه الحكومة أرقامًا قياسية من الإيرادات، تبقى الفوارق الاجتماعية تتسع، حيث لا يحصل المواطن على حصته من النمو الاقتصادي. كما أن ارتفاع التكاليف العامة وتزايد العجز المالي يهددان بتحقيق الاستدامة المالية على المدى الطويل، مما يضعف الثقة في السياسات الاقتصادية للحكومة.
التحديات المستقبلية: إلى أين تتجه السياسات الاقتصادية؟
بعد ثلاث سنوات من تطبيق النموذج الاقتصادي الجديد الذي جاء به رجال الأعمال إلى السلطة، لا يبدو أن الوضع قد تحسن بشكل كبير. تزايدت الفوارق بين الفئات الاجتماعية، وزادت التحديات التي تواجه الطبقات المتوسطة والدنيا في المغرب. وما يزيد الوضع تعقيدًا هو تراجع الثقة في السياسات الحكومية بشكل عام، حيث يظهر أن هناك تباعدًا بين الأرقام الرسمية وواقع الحياة اليومية للمواطن.
إضافة إلى ذلك، نجد أن هناك تساؤلات حول استدامة السياسات الاقتصادية الحالية في ظل زيادة العجز المالي. هل من الممكن الحفاظ على هذه الزيادة في الإيرادات إذا استمر الوضع على هذا النحو؟ وما هو دور الحكومة في ضمان الشفافية والمساءلة في إدارة هذه الموارد؟
النقاط الأساسية التي يجب أخذها في الاعتبار
1. تأثير التضخم على القدرة الشرائية: يجب أن تتصدى السياسات الاقتصادية لتأثير التضخم على المواطنين، الذي يقلص من القيمة الحقيقية للرواتب والإيرادات.
2. توزيع الثروة بشكل عادل: من الضروري أن يعكس النمو الاقتصادي تحسنًا في توزيع الثروة، ويجب أن يستفيد جميع فئات المجتمع من الثروات التي تحققها الدولة.
3. الاستدامة المالية: تحتاج الحكومة إلى خطة فعالة للحفاظ على الاستدامة المالية على المدى الطويل دون أن يؤثر ذلك سلبًا على الطبقات الاجتماعية الهشة.
4. الشفافية والمساءلة: يجب تعزيز الشفافية في إدارة الموارد المالية العامة، وضمان استخدام هذه الأموال بما يتماشى مع أولويات التنمية المستدامة.
5. الاستثمار في القطاعات الاجتماعية: يجب أن يُولي المغرب اهتمامًا أكبر للاستثمار في القطاعات الاجتماعية الحيوية مثل التعليم والصحة، لضمان تحسين جودة الحياة لجميع المواطنين.
إن ارتفاع الإيرادات المالية للمغرب لا يعكس بالضرورة تحسنًا اقتصاديًا شاملًا أو تحسنًا في مستوى حياة المواطنين. لا تزال التحديات قائمة، حيث يظل العجز المالي مرتفعًا، وتستمر الفوارق الاجتماعية في الاتساع. فبينما تسجل الحكومة أرقامًا مالية إيجابية، يبقى المواطن المغربي هو الأضعف في معادلة النمو الاقتصادي، ما يطرح تساؤلات جدية حول فعالية السياسات الحكومية في تحقيق التنمية المستدامة وتحسين الظروف المعيشية.





