ليلة الرعب في سلا: حين يتحول الاحتجاج إلى فوضى مدمرة

الرباط: إدريس بنمسعود

لم تكن ليلة أمس الأربعاء يوماً عادياً في مدينة سلا، فقد تحولت احتجاجات خرجت عن السيطرة إلى فوضى عارمة أفسدت سكينة المدينة المليونية، وأعادت إلى الأذهان مشاهد انفلات خطيرة لم تعرفها البلاد منذ سنوات. فقد أفادت شهادات ميدانية أن مجموعة من الأشخاص الملثمين عمدوا إلى اقتحام وكالة بنكية بحي الأمل وإضرام النار فيها، بينما تواصلت أعمال التخريب لتطال سيارات الشرطة وبعض المحلات التجارية، في مشهد عبثي اختلط فيه الاحتجاج المشروع بالعنف الأعمى.

المثير للقلق أن غياب تدخل سريع لسيارات الإطفاء التابعة للوقاية المدنية، بحسب رواية شهود عيان، ساهم في اتساع حجم الخسائر، حيث التهمت النيران الوكالة البنكية بالكامل قبل وصول فرق الإنقاذ. وهو ما يثير أسئلة حارقة حول جاهزية السلطات المحلية والأمنية لمواجهة هذا النوع من الطوارئ، خصوصاً حين تتزامن مع موجات غضب اجتماعي متصاعد.

من زاوية تحليلية، تكشف “ليلة سلا السوداء” عن خطورة التحول من الاحتجاج السلمي إلى أعمال عنف منظمة، تنفذها مجموعات مجهولة وملثمة، ما يطرح فرضية استغلال الوضع من طرف جهات لها أجندات خفية تسعى إلى جر الشارع إلى الفوضى. كما يبرز هشاشة بعض المؤسسات الحيوية أمام هجمات مفاجئة، في وقت يطالب فيه المواطنون بدولة قادرة على الحماية والتدخل السريع.

إن الحادثة تعكس أيضاً فشلاً مزدوجاً: فشل المحتجين في الحفاظ على سلمية حركتهم، وفشل السلطات في التدخل الاستباقي لاحتواء الانزلاق قبل أن يتحول إلى كارثة. والنتيجة، كما شاهدها سكان سلا، كانت ليلة من الرعب والخوف، حيث أُحرقت ممتلكات مواطنين لا علاقة لهم بالصراع، وتعرضت المدينة لخسائر مادية ومعنوية جسيمة.

لكن الأهم من كل ذلك هو أن ما وقع يجب أن يكون جرس إنذار للدولة والمجتمع معاً. فالفوضى لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحوار، والعنف لا يحقق المطالب بل يضاعف الأزمات. وفي المقابل، لا يمكن للدولة أن تكتفي بردود فعل أمنية متأخرة، بل عليها أن تعزز ثقة المواطنين عبر مقاربة وقائية تستبق الانفجار بدل الاكتفاء بإطفاء الحرائق بعد اندلاعها.

إن ما حدث في سلا لم يكن مجرد حادث عرضي، بل مؤشر على قابلية الوضع للاحتقان الشديد إذا لم تتم معالجة جذور الأزمة الاجتماعية والاقتصادية بجرأة ومسؤولية. فالاحتجاجات السلمية حق دستوري، لكن تحويلها إلى فوضى منظمة يشكل تهديداً مباشراً للأمن الوطني، ويجعل الخاسر الأكبر هو المواطن البسيط الذي يدفع ثمن صراع لا ناقة له فيه ولا جمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى