بين الإغلاق والتوسع.. هل ينجح المغرب في ضبط فوضى المقالع أم يكرّس سباق استنزاف الموارد؟

الرباط: المهدي الجرباوي

في الوقت الذي أعلن فيه المغرب عن إغلاق 229 مقلعا خلال سنة 2024، كشفت المعطيات الرسمية ذاتها عن فتح 457 مقلعا جديدا خلال الفترة نفسها، وهو ما يطرح مفارقة لافتة بين منطق التشديد الرقابي على قطاع المقالع ومنطق التوسع المستمر في استغلال الموارد الطبيعية لتلبية حاجيات مشاريع البنية التحتية والعمران.

وتبرز هذه الأرقام أن الدولة تتجه، من جهة، إلى تعزيز آليات المراقبة وإغلاق المقالع التي انتهت مدة استغلالها أو لم تعد تستجيب للشروط القانونية والبيئية، لكنها من جهة أخرى تواصل الترخيص لعدد أكبر من المقالع الجديدة، بما يعكس حجم الطلب المتزايد على مواد البناء والردم والحصى والرمال المرتبطة بالأوراش الكبرى التي تعرفها المملكة.

وتتصدر جهة مراكش-آسفي المشهد في الحالتين معا؛ إذ سجلت أعلى عدد من المقالع المغلقة بـ75 مقلعا، كما احتلت المرتبة الأولى في عدد المقالع المفتوحة بـ121 مقلعا جديدا. ويعكس هذا المعطى الدينامية الاقتصادية والعمرانية التي تعرفها الجهة، لكنه يكشف أيضا حجم الضغط الذي تتعرض له مواردها الطبيعية والمجالية، خاصة في الأقاليم التي تشهد توسعا عمرانيا واستثماريا متسارعا.

وعند مقارنة عدد المقالع المغلقة بالمقالع المفتوحة، يتضح أن وتيرة التوسع تفوق بكثير وتيرة التقليص، إذ إن كل مقلع تم إغلاقه يقابله تقريبا فتح مقلعين جديدين. ويعني ذلك أن الهدف ليس تقليص النشاط الاستخراجي بقدر ما هو إعادة تنظيمه وتوجيهه نحو مواقع جديدة أو نحو استغلالات أكثر توافقا مع المتطلبات القانونية والتقنية.

كما تكشف المعطيات عن تنوع كبير في طبيعة المقالع المفتوحة، التي تشمل استخراج الحصى والرمال والأحجار ومواد بناء الطرق وصخور الغرانيت والشيست وغيرها من المواد الأساسية لقطاع البناء والأشغال العمومية. وهذا التنوع يعكس ارتباط قطاع المقالع بشكل مباشر بالاستراتيجية الوطنية للبنيات التحتية والاستثمارات العمومية الكبرى.

غير أن هذا التوسع يثير في المقابل تساؤلات بيئية متزايدة، خاصة في ظل الانتقادات التي تواجهها بعض المقالع بسبب تأثيرها على الفرشات المائية والمناظر الطبيعية والتوازنات الإيكولوجية المحلية. فنجاح السياسة العمومية في هذا المجال لا يقاس فقط بعدد المقالع التي يتم إغلاقها أو فتحها، بل بمدى قدرة السلطات على فرض شروط الاستغلال المستدام وضمان إعادة تأهيل المواقع بعد انتهاء الاستغلال.

ومن زاوية أخرى، تكشف تفاوتات مدة التراخيص، التي تراوحت بين بضعة أيام وخمس سنوات، عن وجود أنماط مختلفة من الاستغلال، بعضها مرتبط بأشغال ظرفية ومحدودة، وبعضها الآخر بمشاريع استثمارية طويلة الأمد. وهو ما يستدعي مراقبة أكثر دقة لضمان عدم تحول التراخيص المؤقتة إلى آليات للتحايل أو التمديد غير المعلن للاستغلال.

وبين أرقام الإغلاق والتوسع، يبدو أن المغرب يعيش مرحلة إعادة هيكلة لقطاع المقالع أكثر من كونه مرحلة تقليص لهذا النشاط.

غير أن الرهان الحقيقي يبقى في تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية والحفاظ على الثروات الطبيعية، حتى لا تتحول الحاجة إلى مواد البناء إلى عامل استنزاف طويل الأمد للموارد البيئية التي تشكل جزءا من الرأسمال الاستراتيجي للبلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى