موجة تقاعد كبرى تهدد التوازن الإداري: قطاعات التربية والداخلية والصحة في مفترق طرق

الرباط: ناريمان بنمسعود

يشير تقرير الموارد البشرية المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2026 إلى معطيات مقلقة حول مستقبل الوظيفة العمومية في المغرب، مع توقع إحالة ما يفوق 68 ألف موظف مدني على التقاعد خلال الفترة ما بين 2025 و2029.

رقم يعكس حجم التحولات التي ستطال البنية البشرية للإدارة المغربية، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة الدولة على ضمان استمرارية المرفق العام في ظل النزيف المرتقب للكفاءات.

القطاعات الاجتماعية في الواجهة.
فوزارة التربية الوطنية تتصدر المشهد بـأكثر من 26 ألف إحالة على التقاعد، أي ما يعادل 38% من مجموع المتقاعدين، ما يعني فقدان جزء كبير من الخبرة التربوية والبيداغوجية في ظرف زمني وجيز.

أما وزارة الداخلية فتأتي ثانية بـأزيد من 15 ألف موظف متقاعد مرتقب، وهي نسبة تؤشر إلى ضغط إداري محتمل على المصالح الترابية والإدارية، خاصة في الجماعات المحلية والولايات.

قطاع الصحة بدوره يعيش على وقع تحدٍّ مماثل، مع أكثر من 6 آلاف إحالة منتظرة، في وقت ما زالت المنظومة الصحية تواجه خصاصاً مزمناً في الموارد البشرية، خصوصاً بعد تعميم ورش الحماية الاجتماعية وارتفاع الطلب على الخدمات الطبية العمومية.

أما التعليم العالي فرغم أن عدد المتقاعدين المتوقعين لا يتجاوز خمسة آلاف موظف إلا أن نسبة الإحالات مقارنة بعدد العاملين في القطاع هي الأعلى وطنياً (أكثر من 18%)، وهو ما قد يُضعف القدرات البحثية والتعليمية بالجامعات المغربية في غياب تعويض سريع للأطر الأكاديمية.

وبالمقابل يشهد قطاع العدل إحالة ما يقارب 2200 موظف على التقاعد، وقطاع المالية نحو 2000 موظف، ما قد يفرض على هذين القطاعين إعادة هيكلة مواردهم البشرية لضمان استمرارية الخدمات الحيوية.

أما باقي القطاعات مجتمعة، فستعرف حوالي 11 ألف إحالة إضافية ما يعكس اتساع الظاهرة على مستوى الوظيفة العمومية ككل.

في قراءة مقارنة، تكشف الأرقام عن مفارقة واضحة: القطاعات الاجتماعية الثلاثة (التربية، الصحة، التعليم العالي) تستأثر بالجزء الأكبر من الإحالات، لكنها أيضاً الأكثر نسائية في بنيتها البشرية.
إذ تشير المعطيات إلى أن 71% من النساء الموظفات يتمركزن في هذه القطاعات، بنسب تبلغ 42.7% في التعليم، و22.9% في الصحة، و5.5% في التعليم العالي.

بل إن وزارة الصحة وحدها تضم 67% من النساء مقابل 33% فقط من الرجال، ما يجعل أي نقص في الموارد البشرية هناك ذا أثر مزدوج: مهني واجتماعي.

ويؤكد التقرير أن التوازن الجندري داخل الوظيفة العمومية يميل أكثر فأكثر لصالح النساء، إذ تمثل الإناث أكثر من نصف موظفي وزارة العدل (50.7%)، وقرابة 41% في قطاعات التعليم والمالية، و37% في التعليم العالي.
هذا التحول الإيجابي في حضور النساء بالإدارة يقابله تحدٍّ في ضمان استمرار الاستقرار الإداري مع تقاعد دفعات كبيرة منهن في أفق 2030.

تحليلياً، يُبرز هذا التقرير أحد أبرز التحديات التي سيواجهها المغرب في المرحلة المقبلة: تجديد النخب الإدارية.
فبينما تسعى الحكومة عبر مشروع قانون المالية 2026 إلى ضبط كتلة الأجور وترشيد التوظيف، فإن حجم الإحالات المرتقب يفرض مراجعة عاجلة لمنظومة تدبير الموارد البشرية، خصوصاً في القطاعات الحيوية.

إن المغرب أمام مفترق حاسم بين الحفاظ على التوازنات المالية ومواجهة الخصاص البشري الذي قد يهدد جودة الخدمات العمومية.

فإذا لم تُواكب موجة التقاعد الكبرى بسياسة توظيف وتجديد مدروسة، فقد يتحول التحدي الديموغرافي إلى أزمة هيكلية تمسّ فعالية الإدارة العمومية برمتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى