
الداخلية تفتح أخطر ملفات الابتزاز وتعلن نهاية زمن الإفلات من المحاسبة
الرباط: إدريس بنمسعود
لم يعد تعثر تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الجماعات الترابية يُنظر إليه باعتباره مجرد إشكال إداري أو مالي، بل تحول إلى ملف يثير شكوكاً حول وجود ممارسات تمس بمبادئ الحكامة وسيادة القانون. فالتقارير التي رفعت إلى وزارة الداخلية كشفت عن معطيات توحي بأن بعض الأحكام النهائية أصبحت رهينة حسابات ضيقة، في وقت يفترض أن تكون واجبة التنفيذ دون أي قيد أو شرط.
التحرك السريع لوزارة الداخلية، من خلال توجيه تعليمات مستعجلة إلى الولاة والعمال، يعكس حجم القلق الذي بات يحيط بهذا الملف، خاصة بعد رصد شبهات مطالبة مستفيدين من أحكام قضائية بعمولات مالية مقابل صرف مستحقاتهم. وهي معطيات، إن ثبتت صحتها، لا تقتصر آثارها على الإضرار بحقوق المتقاضين، بل تمس بصورة المؤسسات المنتخبة وتطرح تساؤلات حول مدى احترام بعض المسؤولين المحليين لهيبة القضاء.
وتشير المعطيات إلى أن عدداً من الجماعات لا يعاني بالضرورة من نقص في الموارد المالية، بل يتوفر على اعتمادات يتم ترحيلها من سنة إلى أخرى دون استغلالها، بينما تبقى الأحكام القضائية معلقة، وتتراكم الغرامات التهديدية التي تنعكس في النهاية على المال العام. وهذا الواقع يثير مفارقة لافتة؛ إذ تتحمل الجماعات خسائر إضافية كان بالإمكان تفاديها لو تم تنفيذ الأحكام في وقتها.
كما تكشف التقارير عن ممارسات أكثر تعقيداً، من بينها مقايضة بعض المقاولين بأشغال أو توريدات إضافية مقابل الإفراج عن مستحقاتهم المالية، رغم أن هذه الحقوق سبق أن أقرتها أحكام قضائية نهائية. وهو ما يعكس، في حال ثبوته، خللاً في تدبير الصفقات العمومية ويضع علامات استفهام حول شفافية العلاقة بين بعض المنتخبين والمتعاملين مع الجماعات.
ولا تقف الإشكالات عند حدود تنفيذ الأحكام، بل تمتد إلى شبهات تواطؤ داخلي ساهم في خسارة بعض الجماعات لقضايا أمام القضاء، نتيجة تضارب المصالح أو ضعف الدفاع القانوني أو وجود علاقات غير سليمة بين بعض الموظفين وأطراف النزاع. كما رصدت التقارير ارتفاعاً غير مبرر في أتعاب بعض العقود المبرمة مع محامين، إلى جانب ضغوط لمنع استقطاب كفاءات قانونية مستقلة داخل الجماعات، بما يكرس منطق الولاءات بدل الكفاءة.
وفي المقابل، يبدو أن وزارة الداخلية تتجه نحو معالجة أعمق لهذا الملف، ليس فقط عبر مطالبة الجماعات بتنفيذ الأحكام، وإنما أيضاً من خلال إعداد إطار قانوني جديد ينظم تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الدولة والجماعات الترابية، مع تشجيع الحلول الودية التي تضمن حقوق المتقاضين وتحافظ في الوقت نفسه على التوازنات المالية للمؤسسات العمومية.
وتؤكد هذه التطورات أن المرحلة المقبلة قد تشهد تشديداً أكبر في مراقبة تدبير المنازعات القضائية داخل الجماعات الترابية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصاً أن احترام الأحكام القضائية لم يعد مجرد التزام قانوني، بل أصبح معياراً أساسياً لقياس جودة الحكامة وثقة المواطنين في المؤسسات. فكل تأخير غير مبرر في تنفيذ حكم قضائي لا يضر بصاحب الحق فقط، بل يمس بصورة دولة المؤسسات ويضعف الإحساس بالمساواة أمام القانون، وهو ما يبدو أن وزارة الداخلية عازمة اليوم على وضع حد له.





