الاقتصاد المغربي بين الصمود والاختبار: حصاد مرحلة مضطربة في زمن التقلبات الماكرو-اقتصادية العالمية

الرباط: إدريس بنمسعود

لم يكن الاقتصاد المغربي خلال السنوات الأخيرة بمنأى عن العواصف التي هزّت الاقتصاد العالمي، من تداعيات ما بعد الجائحة، إلى الحرب في أوكرانيا، ثم موجات التضخم وارتفاع أسعار الفائدة وتشديد السياسات النقدية في كبريات الاقتصادات. غير أن قراءة الحصاد الاقتصادي للمغرب في هذا السياق الدولي المضطرب تكشف مزيجاً معقداً من عناصر الصمود البنيوي ومواطن هشاشة ما تزال تؤثر في مسار النمو والاستقرار الاجتماعي.

على مستوى النمو، واجه المغرب صدمات مزدوجة داخلية وخارجية. فبينما تراجع الطلب العالمي وأثّرت اختلالات سلاسل التوريد وارتفاع كلفة الطاقة والمواد الأولية على النشاط الصناعي والتجاري، زادت موجات الجفاف المتتالية من الضغط على القطاع الفلاحي، الذي يشكل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني. ومع ذلك، أظهر الاقتصاد المغربي قدرة نسبية على امتصاص الصدمات، مستفيداً من تنوع قاعدته الإنتاجية، خاصة في الصناعات الموجهة للتصدير مثل السيارات والطيران، التي واصلت تسجيل أداء إيجابي مقارنة بعدد من الاقتصادات الصاعدة التي عانت من انكماش أو ركود ممتد.

في ما يخص التضخم، وجد المغرب نفسه، شأنه شأن معظم دول العالم، أمام موجة ارتفاع غير مسبوقة في الأسعار. غير أن المقارنة مع اقتصادات ناشئة أخرى في إفريقيا وأمريكا اللاتينية تُظهر أن وتيرة التضخم بالمغرب ظلت، رغم حدتها الاجتماعية، أقل انفلاتاً، بفضل مزيج من تدخلات صندوق المقاصة، وسياسة نقدية حذرة انتهجها بنك المغرب.

هذا التدبير ساهم في كبح انتقال الصدمات التضخمية العالمية بشكل كامل إلى السوق الداخلية، وإن كان ذلك على حساب توازنات الميزانية العمومية.

المالية العمومية شكلت بدورها مجالاً دقيقاً للموازنة بين الدعم والاستدامة. فقد ارتفع عجز الميزانية وتزايدت حاجيات التمويل العمومي، في سياق عالمي اتسم بتشديد شروط الاقتراض وارتفاع أسعار الفائدة. ومع ذلك، حافظ المغرب على ولوجه إلى الأسواق المالية الدولية بشروط مقبولة نسبياً، مقارنة بدول نامية اضطرت إلى إعادة هيكلة ديونها أو واجهت مخاطر تعثر حقيقية. ويعكس هذا الوضع، في جانب منه، ثقة نسبية في الإطار الماكرو-اقتصادي المغربي، وفي استمرارية الإصلاحات الهيكلية، رغم تباطؤ وتيرتها أحياناً.
أما الميزان التجاري، فقد ظل نقطة ضعف بنيوية، زاد من حدتها ارتفاع فاتورة الواردات الطاقية والغذائية في ظل اضطراب الأسواق الدولية. غير أن الأداء القوي للصادرات الصناعية، إلى جانب انتعاش عائدات السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، ساهم في التخفيف من حدة العجز، ومكّن من دعم احتياطات العملة الصعبة. وفي مقارنة إقليمية، يظهر المغرب في وضع أفضل من دول تعتمد بشكل شبه كلي على تصدير المواد الأولية، لكنه ما يزال مطالباً بتسريع الانتقال نحو نموذج تصديري ذي قيمة مضافة أعلى.

الاستثمار بدوره تأثر بمناخ عدم اليقين العالمي، حيث تراجعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في العديد من الدول. غير أن المغرب تمكن من الحفاظ على جاذبيته النسبية، مستفيداً من استقراره السياسي، وموقعه الجغرافي، واتفاقيات التبادل الحر، إضافة إلى رهانات كبرى مرتبطة بالبنية التحتية والصناعات الخضراء والطاقات المتجددة. ومع ذلك، فإن المقارنة مع تجارب آسيوية صاعدة تكشف أن الرهان الحقيقي يظل في رفع جودة الاستثمار، وتعزيز اندماجه في النسيج
المحلي، بدل الاكتفاء بالمؤشرات الكمية.

في المحصلة، يبرز حصاد الاقتصاد المغربي في ظل التقلبات الماكرو-اقتصادية الدولية كحصيلة وسطية: اقتصاد لم ينهَر تحت وطأة الصدمات، لكنه لم يحقق بعد قفزة نوعية في النمو الشامل والمستدام. فالصمود الذي أظهره المغرب يعكس قوة اختياراته الماكرو-اقتصادية، غير أن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى منطق تسريع الإصلاحات العميقة، خاصة في مجالات الإنتاجية، والحماية الاجتماعية، والعدالة المجالية، حتى يتحول الاستقرار الاقتصادي إلى رافعة حقيقية للتنمية في عالم لا يبدو أنه مقبل على استقرار قريب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى