بين زخم الأرقام ورهان الاستدامة… هل دخل الاقتصاد المغربي فعلاً مرحلة الإقلاع؟

الرباط: إدريس بنمسعود

يرسم تقرير مركز أبحاث بنك «كايشا» الإسباني صورة متفائلة لمسار الاقتصاد المغربي خلال السنوات الأخيرة، واضعاً المملكة في خانة الاقتصادات الصاعدة التي نجحت في تحويل الضغوط الظرفية إلى فرص هيكلية. غير أن القراءة التحليلية المقارنة تطرح سؤالاً مركزياً: إلى أي حد يعكس هذا التحسن تحولاً بنيوياً مستداماً، وليس فقط انتعاشاً مرتبطاً بظروف استثنائية واستثمارات ظرفية؟

فالتقرير يعزو هذا التحسن إلى حزمة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها المشاريع الاستثمارية الكبرى والاستعدادات لاستضافة تظاهرات رياضية عالمية، مثل كأس أمم إفريقيا 2025 ومونديال 2030. وبالمقارنة مع مراحل سابقة كان فيها النمو المغربي رهيناً بالقطاع الفلاحي وتقلبات المناخ، يظهر اليوم توجه أوضح نحو تنويع مصادر النمو، مدفوعاً بالبنية التحتية والاستثمار الرأسمالي.

ويبرز التقرير أن الإصلاحات المؤسسية وتحسين مناخ الأعمال أسهما في إعادة توجيه الاقتصاد نحو نموذج أكثر انفتاحاً على التصدير، خاصة في قطاعات السياحة وصناعة السيارات والأسمدة.

وهنا يبرز عنصر المقارنة مجدداً: فبينما ظل الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول للمغرب، فإن توسيع دائرة الشراكات نحو الصين وأسواق أخرى يعكس محاولة لتقليص التبعية التقليدية للأسواق الأوروبية، وإن كانت هذه الأخيرة لا تزال تشكل العمود الفقري للتجارة الخارجية.

أما على مستوى المؤشرات الكلية، فيسجل التقرير تسارعاً لافتاً في النمو خلال 2025، بلغ 5.5 في المائة في الربع الثاني، مدعوماً بتعافي الفلاحة وزخم الاستثمارات العمومية والخاصة، إلى جانب انتعاش الاستهلاك الداخلي في ظل تراجع التضخم. وبالمقارنة مع فترات سابقة كان فيها التضخم عاملاً ضاغطاً على القدرة الشرائية، يبدو هذا التراجع إلى أقل من 1 في المائة خلال خريف 2025 مؤشراً إيجابياً على استعادة التوازنات الماكرو-اقتصادية.

كما يسلط التقرير الضوء على استمرار قوة مداخيل السياحة وتحويلات مغاربة العالم وصادرات السلع، وهي عناصر شكلت تاريخياً صمام أمان للاقتصاد الوطني في فترات الأزمات. غير أن المقارنة هنا تفرض نفسها أيضاً: فنجاعة هذه الموارد تبقى رهينة بقدرة الاقتصاد على تحويلها إلى استثمارات منتجة وفرص شغل مستدامة، لا مجرد دعم ظرفي للتوازنات المالية.

وفي السياق ذاته، يشير التقرير إلى الخط الائتماني الاحتياطي مع صندوق النقد الدولي بقيمة 4.5 مليار دولار، باعتباره أداة وقائية لتعزيز الاحتياطيات الخارجية وضمان الاستقرار المالي. وهو خيار يعكس، مقارنة بتجارب دول أخرى، توجهاً احترازياً أكثر منه استجابة لأزمة آنية.

خلاصة تقرير «كايشا» تضع الاقتصاد المغربي على مسار إيجابي، مدعوماً بإصلاحات وهيكلة استثمارية كبرى. غير أن القراءة التحليلية المقارنة تكشف أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تحقيق نسب نمو مرتفعة، بل في تحويل هذا الزخم إلى نموذج تنموي أكثر شمولاً واستدامة، قادر على تقليص الفوارق الاجتماعية وتعزيز التنافسية الإقليمية والدولية على المدى الطويل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى