
غياب أوجار عن اجتماع الحسم… رسالة صامتة أم إقصاء سياسي داخل حزب الأحرار؟
الرباط: إدريس بنمسعود
أثار غياب محمد أوجار، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار وواحد من أقدم وجوهه السياسية، عن الاجتماع الأخير للمنسقين الجهويين، الذي انتهى بتقديم محمد شوكي كمرشح وحيد لخلافة عزيز أخنوش، موجة من التساؤلات داخل الأوساط الحزبية والمتتبعة للشأن السياسي. غياب لم يكن عاديا، ليس فقط لأنه تزامن مع لحظة تنظيمية مفصلية، بل لأنه طال اسما ظل، إلى وقت قريب، ضمن لائحة “الخلفاء المحتملين” لقيادة الحزب.
فالاجتماع لم يكن مجرد لقاء تنظيمي روتيني، بل محطة حاسمة أعادت رسم موازين القيادة داخل حزب يقود الحكومة، ويستعد لاستحقاقات انتخابية دقيقة. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الحضور أو الغياب او الإنسحاب فعلا سياسيا بحد ذاته، محملا بالرسائل والدلالات.
أولى القراءات المحتملة لهذا الغياب تربطه بردة فعل سياسية من محمد أوجار، على خلفية استبعاد اسمه من سباق الخلافة. فالمعطيات المتداولة تشير إلى أن أوجار لم يكن بعيدا عن التفكير في الترشح، بل حاول، أو على الأقل فكّر جديا، في إيداع ملف ترشيحه لرئاسة الحزب. غير أن “إشارات” وُصفت بالقوية وصلته من دوائر القرار الحزبي، دفعت في اتجاه سحب الفكرة، أو عدم المضي فيها إلى النهاية. في هذا السياق، يمكن فهم الغياب كنوع من الاحتجاج الصامت، أو كرسالة عدم رضى عن مسار تدبير مرحلة ما بعد أخنوش، خاصة إذا كان أوجار يرى نفسه مؤهلا سياسيا وتنظيميا لتولي القيادة.
القراءة الثانية تذهب أبعد من منطق الصراع الداخلي، لتربط غياب أوجار بثمن سياسي محتمل لخرجاته الإعلامية الأخيرة. فقد تميزت مداخلاته وتصريحاته بنبرة غير مألوفة داخل حزب معروف بانضباطه الصارم وخطابه المحسوب، حيث وجّه انتقادات مباشرة وغير مباشرة لأسلوب تدبير القرار، ولامس في بعض الأحيان مواضيع تُصنف ضمن “المناطق الحساسة” المرتبطة بأعلى مستويات هرم السلطة. مثل هذه الخرجات، وإن كانت تُقرأ عند البعض كجرأة سياسية، فإنها قد تُعتبر داخل منطق الأحزاب المشاركة في الحكم تجاوزا للخطوط غير المعلنة، ما يجعل صاحبها عرضة للتهميش أو الإبعاد الناعم.
وبين فرضية “الغضبة السياسية” وفرضية “العقاب غير المعلن”، يبرز احتمال ثالث لا يقل أهمية: وهو أن حزب الأحرار دخل مرحلة إعادة ترتيب داخلية، تقوم على تقليص أدوار بعض الوجوه التي ارتبطت بمرحلة سابقة، لصالح قيادات أقل ضجيجا وأكثر انسجاما مع المرحلة المقبلة.
في هذا الإطار، قد لا يكون غياب أو إنسحاب أوجار حدثا معزولا، بل مؤشرا على تحول أعمق في بنية القرار الحزبي، حيث لم يعد الرصيد السياسي أو التاريخ التنظيمي كافيا لضمان الحضور في لحظات الحسم.
مهما تكن الأسباب الحقيقية، فإن المؤكد هو أن غياب محمد أوجار عن اجتماع تقديم محمد شوكي ليس تفصيلا عابرا. إنه حدث سياسي يعكس منسوب التوتر داخل حزب الأحرار، ويكشف أن مرحلة ما بعد عزيز أخنوش لا تُدار فقط بمنطق الانتقال السلس، بل أيضا بمنطق الفرز وإعادة الاصطفاف.
كخلاصة
قد لا يكون محمد أوجار قد غاب عن اجتماع المكتب السياسي فقط، بل قد يكون الحزب نفسه في طريقه إلى الغياب عن منطق التعدد الداخلي، لصالح قيادة جديدة تُفضل الصمت على الاختلاف، والانضباط على الجرأة. وفي السياسة، حين يُقصى الصوت المختلف، لا يكون السؤال من غاب عن الاجتماع… بل من سيغيب عن القرار مستقبلا.





