
عقارات الجماعات تحت المجهر: كيف تحوّلت أملاك عمومية إلى غنائم انتخابية ولوبيات عقارية؟
الرباط: إستثمار
تفتح وزارة الداخلية، عبر مصالح قسم تنمية وتثمين الممتلكات بمديرية مالية الجماعات الترابية، صفحة جديدة في ملف شائك طالما ظل محاطًا بالصمت والحسابات السياسية، وذلك بإطلاق أبحاث إدارية موسعة حول ما بات يُعرف بـ“لوبيات” العقارات الجماعية. هذه الأبحاث جاءت على خلفية تقارير وُصفت بالخطيرة، كشفت عن تورط رؤساء جماعات ترابية في تفويت أراضٍ عمومية بأثمان رمزية لفائدة منعشين عقاريين، في تناقض صارخ مع الخطاب الرسمي حول الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وبحسب معطيات متطابقة، فإن هذه التقارير لم تكن مجرد ملاحظات تقنية، بل تضمنت أجوبة مباشرة عن استفسارات رسمية وجهتها المصالح المركزية للوزارة، عبر الولاة والعمال، إلى عدد من رؤساء الجماعات بجهات استراتيجية كبرى، من بينها الدار البيضاء–سطات، طنجة–تطوان–الحسيمة، والرباط–سلا–القنيطرة.
وقد ركزت هذه الاستفسارات على نقطتين محوريتين: أثمنة التفويت وهوية المستفيدين، في خطوة تعكس تحوّلًا من منطق التغاضي إلى منطق التدقيق الاستباقي قبل اتخاذ أي قرارات حاسمة.
وتأتي هذه الأبحاث في سياق مقارن يكشف الفجوة بين الإطار القانوني المؤطر لتدبير الممتلكات الجماعية، والممارسة الفعلية على أرض الواقع. فبينما ينص القانون على حماية الملك الجماعي وتثمينه لفائدة الصالح العام، رصدت تقارير الداخلية حالات واضحة لتضارب المصالح، خاصة في جماعات ضواحي المدن الكبرى، حيث استفاد مكترون تجمعهم علاقات سياسية وانتخابية بمسيري الجماعات من استغلال عقارات عمومية، مقابل صمت مريب عن تحصيل واجبات الكراء المتراكمة، في خرق صريح لتوجيهات تدبير مالية الجماعات.
الأخطر من ذلك، وفق المصادر نفسها، هو غياب أي أثر لإجراءات قانونية أو قضائية لاسترجاع هذه المتأخرات، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول جدية بعض رؤساء الجماعات في حماية المال العام، وحول ما إذا كان هذا التراخي مجرد إهمال إداري أم خيارًا سياسيًا محسوبًا.
وتتجه الأبحاث الجارية إلى تعميق التدقيق في ملفات عقارية عالقة، فشل رؤساء جماعات في تصفيتها وتطهيرها، رغم كونها موضوع نزاعات مع موظفين أو مستغلين من الغير. ويُعزى هذا الفشل، حسب المعطيات المتوفرة، إلى ضعف تتبع الملفات القضائية، فضلاً عن سوء تدبير الأرشيف وغياب الوثائق التي تثبت الملكية الجماعية، وهو ما يجعل هذه الأملاك عرضة للضياع أو التفويت غير المشروع.
وفي مقارنة إضافية بين النص القانوني والتطبيق، تركز الأبحاث أيضًا على مدى التزام الجماعات بمسك “سجل المحتويات”، الذي يُفترض أن يشكل العمود الفقري لحماية الممتلكات الجماعية. غير أن التقارير تشير إلى أن هذا السجل، في عدد من الجماعات، إما غير محيَّن أو غير موجود أصلًا، ما يفتح الباب أمام كل أشكال العبث والتلاعب.
ولا تستبعد المصادر استعانة وزارة الداخلية بتقارير سابقة أنجزتها مديرية مالية الجماعات المحلية، كشفت عن تورط منتخبين سابقين في كراء محلات تجارية تابعة لجماعات كانوا أعضاء في مجالسها، مع التهرب من أداء رسوم الاحتلال المؤقت للملك العمومي. كما رُصدت، خصوصًا بإقليمي برشيد ومديونة، حالات عدم استخلاص الرسوم على الأراضي الحضرية غير المبنية، لفائدة “منتخبين متهربين” أو جماعات تغاضت عن تطبيق القانون.
ويعيد هذا المسار الرقابي إلى الواجهة خطة سابقة أعدتها مديرية الممتلكات بوزارة الداخلية، هدفت إلى “إنقاذ” أراضٍ جماعية فوتت بأثمان بخسة، من خلال إحصائها وتحفيظها، بعد توالي مراسلات احتجاجية فضحت شبهات سمسرة وانخراط رؤساء جماعات في عمليات تفويت مشبوهة.
في المحصلة، تكشف هذه الأبحاث عن صراع صامت بين منطق الدولة الساعية إلى ضبط وتثمين أملاكها، ومنطق لوبيات محلية اعتادت تحويل العقار العمومي إلى رصيد انتخابي أو صفقة خاصة، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات من محاسبة فعلية أو إعادة إنتاج لدائرة الإفلات من العقاب.





