
تزكية الاستقلال للعثماني بسلا: رهان على التجربة الاجتماعية أم إعادة تموقع انتخابي مبكر؟
الرباط: إدريس بنمسعود
في سياق الاستعدادات المبكرة للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، منح حزب الاستقلال تزكيته لمولاي إبراهيم العثماني للترشح بمدينة سلا، في خطوة تتجاوز بعدها التنظيمي الداخلي إلى رسالة سياسية واضحة حول طبيعة الرهانات التي يعتزم الحزب خوضها في واحدة من الدوائر ذات الثقل الانتخابي والرمزية السياسية.
تزكية العثماني لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها تعبيرًا عن الثقة في مساره المهني، بل أيضا كاختيار استراتيجي يعكس تحولا في معايير الترشيح.
فبدل الدفع بوجوه سياسية تقليدية، يبدو أن الحزب يراهن على بروفايل ذي خلفية اجتماعية–مؤسساتية، قادم من تدبير الشأن التعاضدي، بما يحمله ذلك من حمولة تقنية وخبرة في قضايا الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والحكامة المالية.
فالرجل يشغل رئاسة المجلس الإداري لـالتعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية منذ سنة 2021، وهي مؤسسة تعد من أكبر الهيئات الاجتماعية وطنيا من حيث عدد المنخرطين وحجم الخدمات.
وخلال هذه الفترة، اعتمد –وفق المعطيات المتداولة– مقاربة تقوم على تحديث آليات الحكامة، وترشيد النفقات، وتنمية الموارد، إلى جانب مراجعة بعض الجوانب القانونية المؤطرة للعمل التعاضدي، بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها ورش الحماية الاجتماعية بالمغرب.
غير أن المقارنة بين تدبير مؤسسة اجتماعية وبين العمل البرلماني تظل مطروحة بقوة. فنجاح أي مسؤول في إدارة مؤسسة خدماتية لا يعني بالضرورة قدرته على خوض معترك التشريع والرقابة السياسية، حيث تتقاطع الحسابات الحزبية بالتوازنات الوطنية والرهانات المحلية.
من هنا، تبدو تزكية العثماني بمثابة اختبار مزدوج: اختبار له شخصيا في الانتقال من المجال التدبيري إلى المجال السياسي الصرف، واختبار للحزب في مدى نجاحه في تحويل الرأسمال الاجتماعي إلى مكسب انتخابي.
مدينة سلا، بدورها، ليست دائرة عادية.
فهي فضاء انتخابي معقد، يجمع بين أحياء ذات كثافة سكانية مرتفعة وتحديات اجتماعية حقيقية، وبين فئات متوسطة وموظفين يشكلون خزانًا انتخابيًا مهما.
واختيار شخصية ذات امتداد في قطاع الموظفين والتعاضد قد يُقرأ كمحاولة لبناء قاعدة انتخابية صلبة انطلاقًا من هذه الفئات، مع توسيع الخطاب ليشمل قضايا التنمية المحلية والتشغيل والخدمات.
كما أن إعادة انتخاب العثماني بالإجماع رئيسًا للاتحاد الإفريقي للتعاضدية خلال جمعه العام الخامس المنعقد في دجنبر الماضي، يمنحه بعدًا قاريا يعزز صورته كفاعل مؤسساتي يتجاوز الإطار الوطني. غير أن هذا الامتداد الخارجي يظل بحاجة إلى ترجمة سياسية محلية ملموسة إذا ما أراد تحويله إلى قيمة مضافة في السباق التشريعي.
في العمق، تعكس هذه التزكية توجها لدى حزب الاستقلال نحو الاستثمار في الكفاءات ذات المسار المهني الواضح، في مقابل منطق الزعامات التقليدية.
لكنها تطرح أيضا سؤال التوازن بين “السياسي” و“التقني”: هل يكفي سجل في الحكامة الاجتماعية لكسب ثقة ناخبين يبحثون عن تمثيلية قوية وصوت مؤثر داخل البرلمان؟ أم أن المعركة الانتخابية ستفرض اعتبارات أخرى تتجاوز الكفاءة إلى منطق التحالفات والحضور الميداني؟
بين رصيد تدبيري معتبر وطموح سياسي مشروع، يدخل مولاي إبراهيم العثماني مرحلة جديدة من مساره، عنوانها الانتقال من إدارة الملفات الاجتماعية إلى خوض اختبار الشرعية الانتخابية.
ويبقى الرهان الحقيقي ليس فقط في نيل المقعد البرلماني، بل في القدرة على تحويل التجربة التعاضدية إلى مشروع سياسي قادر على إقناع ساكنة سلا بأن التنمية الاجتماعية يمكن أن تجد صداها الفعلي تحت قبة البرلمان.





