ملعب الحسن الثاني: ثورة تكنولوجية ومعمارية تعيد تعريف المشهد الرياضي المغربي والعالمي

الرباط: إستثمار

في خطوة تعكس الطموح المغربي لاستضافة أحداث رياضية عالمية كبرى، أطلقت الوكالة الوطنية للتجهيزات العامة صفقة ضخمة لإنجاز البنية التحتية الكهربائية لملعب الدار البيضاء الكبير، بميزانية تصل إلى 2.25 مليار درهم، ما يضع هذا المشروع في مصاف أغلى وأعقد المشاريع الرياضية على المستوى القاري والعالمي. فبينما تكتفي معظم الملاعب العالمية بتحديث أنظمتها الكهربائية تدريجياً، يأتي هذا المشروع ليقدم قفزة نوعية شاملة، تجمع بين التيار القوي والضعيف في حزمة متكاملة، تشمل محطات تحويل وأنظمة توليد احتياطي، وإنارة رياضية متطورة، وتجهيزات رقمية لم يسبق لها مثيل في المنطقة.

ما يميز هذه الصفقة حقاً هو بعدها التكنولوجي المتقدم، حيث سيزود الملعب بشاشات LED عملاقة ونظام “HALO” التفاعلي لعرض المحتوى والإعلانات، وهو نظام أقرب إلى ما نشهده في ملاعب النخبة العالمية مثل “سوجو” في أتلانتا أو ملعب “يوكوهاما” الدولي. بل إن الطموح يتجاوز ذلك إلى بناء بنية تحتية متكاملة للبث التلفزيوني والإذاعي تعتمد على الألياف الضوئية وأنظمة Broadcast حديثة، ما يجعل الملعب جاهزاً لاستقبال الأحداث الدولية الكبرى دون الحاجة لتجهيزات إضافية مؤقتة، وهو ما يضعه في منافسة مباشرة مع أعرق الملاعب الأوروبية.

الابتكار الأكثر إثارة للاهتمام يتمثل في نظام مراقبة بالفيديو مدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي، القادر على التعرف على الوجوه وتتبع الأجسام. هذه التقنية، التي لا تزال مثيرة للجدل في ملاعب مثل “ويمبلي” و”كامب نو”، تضع الملعب المغربي في صدارة الملاعب الأكثر أمناً وتطوراً تقنياً، خاصة مع توفير كفالات بنكية وضمانات تشغيلية لسنوات، وقطع غيار بنسبة 10%، وهو ما يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى تضمن استمرارية الأداء.

ولعل ما يعزز مكانة هذا المشروع هو التزامه بالنمذجة الرقمية BIM وتطبيق معايير الاستدامة البيئية، ما يعني أن الملعب سيكون صديقاً للبيئة وقابلاً للتطوير مستقبلاً، في خطوة تشبه توجهات ملاعب كأس العالم في قطر 2022. لكن التميز الحقيقي يكمن في التصميم المعماري الفريد المستوحى من الثقافة المغربية، حيث يحاكي خيمة تقليدية ترمز للكرم وحفاوة الضيافة، وهو ما يضفي بعداً ثقافياً ورمزياً نادراً ما نجده في الملاعب الحديثة التي تميل إلى التصاميم الهندسية الجافة.

يقع الملعب على مفترق طرق استراتيجي بين الدار البيضاء وزناتة والمنصورية، مع محطتين للقطارات إحداهما فائقة السرعة، ما يجعله متكاملاً لوجستياً على غرار ملعب “أليانز أرينا” في ميونيخ. وبسعة تصل إلى 115 ألف متفرج، متوزعين على سبعة طوابق، وتكلفة إجمالية تقارب 500 مليون دولار، يتجاوز هذا الصرح الرياضي كل الملاعب المغربية والعربية، ليقترب من ملاعب أسطورية مثل “ملعب الأول من مايو” في بيونغ يانغ من حيث السعة، لكنه يتفوق عليها بالتأكيد من حيث الحداثة والتجهيزات.

انطلقت الأشغال رسمياً في غشت الماضي، ومن المتوقع أن تكتمل في 2028، لتكون الجاهزية مبكرة قبل استضافة كأس العالم للأندية 2029 وكأس العالم 2030. هذا التوقيت يحمل دلالة استراتيجية عميقة، إذ يمنح المغرب فرصة لاختبار هذا المرفق العملاق في بطولات دولية متعددة قبل الحدث الأكبر، مما يضمن جاهزية كاملة واستفادة قصوى من الاستثمار الضخم، ويجعل من ملعب الحسن الثاني أيقونة حقيقية تعبر عن نهضة كروية شاملة تضع المغرب في قلب الخريطة الرياضية العالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى