
300 مليون درهم في الميزان: هل تُحوّل جهة الرباط سلا القنيطرة فائضها المالي إلى تنمية ملموسة؟
الرباط: إستثمار
في سياق وطني يتسم بضغط مالي متزايد على الجماعات الترابية وبارتفاع انتظارات الساكنة، صادق مجلس جهة الرباط سلا القنيطرة خلال دورته العادية لشهر مارس المنعقدة يوم 02 مارس 2026، برئاسة رشيد العبدي، على برمجة ما تبقى من الفائض الحقيقي الذي ناهز 87,39 مليون درهم، ضمن حزمة استثمارية إجمالية تفوق 300 مليون درهم.
القرار في ظاهره يعكس مؤشرات إيجابية: مداخيل تجاوزت مليار درهم برسم سنة 2025، ونفقات تسيير مستقرة في حدود 90 مليون درهم، بانخفاض قدره 7 في المائة مقارنة بسنة 2024. غير أن القراءة التحليلية المقارنة تطرح سؤالاً أعمق: هل يتعلق الأمر بفائض ظرفي ناتج عن تحسن جبائي وتدبير حذر، أم أننا أمام تحول بنيوي في حكامة الموارد الجهوية؟
من زاوية المقارنة المالية، يبدو أن المجلس راهن على معادلة مزدوجة: تعبئة موارد إضافية مقابل ضبط نفقات التسيير. هذا التوازن، إذا ما قورن بجهات أخرى تعاني عجزاً هيكلياً أو ارتفاعاً في كتلة التسيير، يمنح الجهة هامش تحرك أكبر نحو الاستثمار. لكن في المقابل، يظل التحدي الحقيقي ليس في حجم الفائض بل في جودة توجيهه، إذ أن تجارب سابقة أبانت أن ارتفاع الاعتمادات لا يضمن بالضرورة تحقيق أثر تنموي ملموس.
على مستوى الأولويات، توزعت الاستثمارات بين التدبير الاستباقي لمخاطر الفيضانات، وتوسيع البنيات التحتية، وتحسين خدمات النقل عبر إحداث حافلات سياحية وتوسيع منشآت فنية. وهي اختيارات تعكس وعياً بتنامي الضغط العمراني والتقلبات المناخية. غير أن المقارنة مع حاجيات الجهة تبرز أن إشكالية النقل الحضري والربط بين الأقاليم ما تزال تتطلب رؤية مندمجة تتجاوز الحلول الجزئية، خاصة في ظل النمو الديمغرافي المتسارع الذي تعرفه حواضر مثل الرباط وسلا والقنيطرة.
في الجانب الاجتماعي، خُصصت اعتمادات لمحاربة السكن غير اللائق، وإحداث أسواق للقرب، وتوسيع العرض الرياضي عبر ملاعب القرب، إلى جانب دعم البنيات التربوية. هذه الإجراءات، وإن كانت ذات أثر مباشر على جودة الحياة، تظل رهينة بمدى التنسيق مع القطاعات الحكومية والجماعات الترابية لضمان التكامل وعدم تكرار المشاريع أو تشتتها.
أما اقتصادياً، فقد اتجهت الجهة نحو دعم المناطق الحرفية وبرامج الإدماج الاقتصادي والتشغيل الذاتي، مع إطلاق حاضنات رقمية تضامنية لدعم المقاولات الناشئة. وهنا تبرز مقارنة لافتة: فبينما تراهن جهات أخرى على جذب استثمارات صناعية كبرى، اختارت جهة الرباط سلا القنيطرة مقاربة قائمة على تقوية النسيج المحلي والمقاولات الصغيرة جداً. الرهان هنا طويل الأمد، ويحتاج إلى منظومة مواكبة وتمويل مستدام حتى لا تتحول المبادرات إلى مشاريع ظرفية محدودة الأثر.
اللافت أيضاً هو الانخراط في التحول الرقمي، سواء عبر تطوير الخدمات أو دعم الكفاءات. هذا التوجه ينسجم مع التحولات الوطنية الكبرى، لكنه يطرح تحدي القياس: ما هي مؤشرات الأداء المعتمدة لتقييم الأثر الرقمي؟ وهل سيتم ربط الاستثمار في الرقمنة بتحسين فعلي في جودة الخدمات وتقليص آجال المعالجة الإدارية؟
في المحصلة، تعبئة أزيد من 300 مليون درهم تمثل رسالة سياسية ومالية مفادها أن الجهة قادرة على خلق هامش استثماري رغم الإكراهات. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في الأرقام المعلنة، بل في القدرة على تحويل هذه الاعتمادات إلى مشاريع ذات أثر اجتماعي واقتصادي قابل للقياس، ينعكس على التشغيل وجودة الخدمات وتقليص الفوارق المجالية داخل الجهة.
بين فائض مالي مُعلن وتحديات تنموية متراكمة، تبقى المقارنة الحاسمة ليست بين سنتين ماليتين فقط، بل بين منطق صرف الاعتمادات ومنطق صناعة الأثر. وهنا سيتحدد فعلياً ما إذا كانت برمجة الفائض خطوة ظرفية أم بداية لمسار حكامة جهوية أكثر نجاعة واستدامة.





