
حرب إيران تشعل أسواق الطاقة… هل يقود شلل مضيق هرمز العالم إلى صدمة نفطية جديدة؟
الرباط: إستثمار
تشهد أسواق الطاقة العالمية موجة قلق متصاعدة في ظل استمرار الحرب على إيران وما رافقها من اضطراب حاد في أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، وهو ما أعاد إلى الواجهة سيناريوهات الصدمات النفطية الكبرى التي لطالما هزت الاقتصاد العالمي في لحظات التوتر الجيوسياسي.
فالتطورات العسكرية في الخليج لم تعد مجرد حدث إقليمي محدود، بل تحولت بسرعة إلى عامل ضغط مباشر على سوق الطاقة الدولية، مع توقعات متزايدة بأن أسعار النفط قد تتجه نحو عتبة 100 دولار للبرميل إذا استمر تعطل الإمدادات.
وقد بدأت مؤشرات هذا الارتفاع بالفعل في الظهور خلال الأيام الأخيرة، حيث صعدت العقود الآجلة للخام الأميركي إلى حدود 90 دولارًا للبرميل، بينما اقترب خام برنت من مستوى 95 دولارًا، مسجلاً أعلى مستوى له منذ قرابة عامين. غير أن هذه الارتفاعات، بحسب متعاملين في الأسواق، قد لا تكون سوى مقدمة لموجة أكبر من الصعود إذا استمرت المواجهة العسكرية وأبقت على اضطراب الإمدادات القادمة من منطقة الخليج.
جوهر القلق في الأسواق يرتبط بتوقف شبه كامل لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يشكل شريانًا حيويًا لتجارة النفط العالمية، إذ يعبره في الظروف العادية ما يقارب 20 مليون برميل يوميًا، أي نحو خُمس الاستهلاك العالمي. وأي تعطيل طويل الأمد لهذا الممر لا يمثل مجرد خلل لوجستي، بل صدمة هيكلية قادرة على إعادة تشكيل توازنات العرض والطلب في سوق الطاقة الدولية.
وتشير تقديرات مؤسسات مالية إلى أن الأسواق قد تكون خسرت فعليًا ما بين 7 و11 مليون برميل يوميًا نتيجة اضطراب حركة الشحن في المضيق، وهو ما يعني أن جزءًا كبيرًا من صادرات الخليج بات غير قادر على الوصول إلى الأسواق العالمية. وفي حال استمرار هذا الوضع، فإن الأزمة قد تتجاوز مرحلة اضطراب النقل لتتحول إلى نقص فعلي في الإمدادات، وهو السيناريو الذي يثير أكبر قدر من المخاوف لدى المستثمرين وصناع القرار.
ويؤكد محللون أن مجرد استمرار التعطيل لفترة قصيرة قد يدفع الأسعار بسرعة نحو مستوى 100 دولار للبرميل، خاصة إذا وجدت الدول المنتجة نفسها مضطرة إلى تقليص الإنتاج بسبب امتلاء مرافق التخزين وعدم القدرة على التصدير. ففي هذه الحالة لن يكون الخلل مرتبطًا فقط باللوجستيك، بل سيتحول إلى أزمة إنتاج وتصدير في آن واحد.
ورغم محاولات بعض الدول المنتجة إيجاد بدائل مؤقتة عبر نقل النفط إلى موانئ أخرى باستخدام خطوط الأنابيب أو إعادة توجيه الشحنات عبر مسارات بديلة، فإن هذه الحلول تظل محدودة القدرة ولا تستطيع تعويض سوى جزء ضئيل من الكميات الضخمة التي تمر عادة عبر مضيق هرمز.
كما بدأت تداعيات الأزمة تظهر بوضوح في أسواق المشتقات النفطية، حيث سجلت أسعار الديزل ووقود الطائرات ارتفاعات ملحوظة خلال الأيام الأخيرة، وهو تطور يعتبره خبراء الطاقة مؤشرًا مبكرًا على ضغط حقيقي في الإمدادات وقد يكون مقدمة لارتفاعات أكبر في أسعار النفط الخام.
ولم تتوقف آثار الأزمة عند حدود قطاع الطاقة، بل امتدت إلى سلاسل التوريد العالمية وقطاع النقل الجوي، إذ اضطرت شركات طيران إلى إلغاء آلاف الرحلات نحو مراكز الشرق الأوسط بسبب المخاطر الأمنية، في حين شرعت شركات الشحن البحري في إعادة تقييم مساراتها في المنطقة، ما يهدد بزيادة تكاليف النقل وتعقيد حركة التجارة الدولية.
وفي خضم هذه التطورات، زادت التصريحات السياسية من توتر الأسواق، خصوصًا بعد إعلان الرئيس الأميركي Donald Trump رفض الدخول في مفاوضات لإنهاء الصراع مع إيران، مؤكدًا أن واشنطن لن تقبل سوى الاستسلام غير المشروط من طهران. مثل هذه المواقف تعزز مخاوف المستثمرين من أن المواجهة قد تكون طويلة الأمد، وهو ما يضاعف احتمالات استمرار الضغط على أسواق الطاقة.
ورغم محاولة الإدارة الأميركية تهدئة المخاوف عبر دراسة إجراءات للتخفيف من ارتفاع الأسعار، مثل توفير ضمانات تأمين للسفن التجارية أو مرافقة بحرية لناقلات النفط لضمان استمرار الشحن، فإن خبراء الطاقة يرون أن هذه الإجراءات قد تبقى محدودة التأثير إذا استمر تعطيل الملاحة في المضيق.
كما يجري الحديث عن خيارات أخرى تشمل زيادة الإنتاج الأميركي وتسريع عمليات التنقيب والبحث عن مصادر إمداد بديلة، غير أن هذه الحلول تحتاج إلى وقت حتى تؤتي ثمارها، بينما تتحرك الأسواق بوتيرة أسرع بكثير تحت تأثير الصدمات الجيوسياسية.
وفي تحذير يعكس حجم القلق داخل أسواق الطاقة، اعتبر وزير الطاقة القطري Saad Sherida Al‑Kaabi أن استمرار التصعيد العسكري قد يدفع دول الخليج المنتجة إلى وقف صادراتها خلال أسابيع، وهو سيناريو كفيل بدفع أسعار النفط إلى مستويات قد تصل إلى 150 دولارًا للبرميل.
وتزداد حساسية هذا التحذير بالنظر إلى أن قطر تعد أحد أكبر موردي الغاز الطبيعي المسال في العالم، حيث يمثل إنتاجها نحو 20% من الإمدادات العالمية، ما يعني أن أي اضطراب إضافي في صادراتها قد يضيف أزمة طاقة موازية في سوق الغاز.
في المحصلة، تكشف التطورات الحالية هشاشة التوازن الذي يقوم عليه سوق الطاقة العالمي، حيث يكفي تعطل ممر بحري واحد لتهديد إمدادات حيوية يعتمد عليها الاقتصاد الدولي. وإذا استمرت الحرب واتسع نطاقها أو تعرضت منشآت الطاقة لهجمات إضافية، فقد يجد العالم نفسه أمام موجة تضخم جديدة وصدمة طاقية تعيد إلى الأذهان أزمات النفط التي غيرت ملامح الاقتصاد العالمي في العقود الماضية.





