حين تتحول العائلة إلى عبء إداري… هل تعرقل الشركات العائلية في المغرب طريق الكفاءة والاحتراف؟

 

الرباط: ريم بنكرة

لطالما مثلت الشركات العائلية أحد أعمدة الاقتصاد المغربي، إذ نشأت العديد من المقاولات الكبرى انطلاقًا من مبادرات أسرية استطاعت عبر الأجيال بناء شبكات تجارية قوية وتوسيع نشاطها اعتمادًا على الثقة العائلية وتراكم الخبرة. غير أن هذا النموذج الذي شكل لعقود مصدر قوة واستقرار، بدأ يواجه اليوم تحديات بنيوية تطرح سؤالًا جوهريًا: هل أصبحت الروابط العائلية نفسها عامل إضعاف للنجاعة المهنية داخل هذه المؤسسات؟
ففي الوقت الذي تعتمد فيه الشركات الحديثة على حكامة واضحة ومؤسساتية في اتخاذ القرار وتدبير الموارد البشرية، تكشف معطيات حديثة عن استمرار جزء من الشركات العائلية المغربية في العمل وفق منطق تقليدي قائم على مركزية القرار والولاءات العائلية.

وتشير دراسة حديثة لمنصة DRH.ma، أنجزت مطلع سنة 2026 وشملت 112 مديرًا للموارد البشرية، إلى وجود اختلالات هيكلية داخل هذا النموذج المقاولاتي قد تعرقل قدرته على التطور ومواكبة المنافسة المتزايدة في السوق.

وتبرز نتائج الدراسة أن العديد من هذه المقاولات ما زالت تعتمد أسلوبًا إداريًا تقليديًا يمنح القرار النهائي لشخص واحد غالبًا ما يكون مؤسس الشركة أو أحد أفراد العائلة المؤثرة، في مقابل حضور ضعيف لدور الموارد البشرية في رسم الاستراتيجيات وتدبير المسارات المهنية. وفي مثل هذا السياق، تتحول الروابط العائلية أحيانًا إلى معيار غير معلن لتوزيع المسؤوليات والامتيازات، بدل الاعتماد على معايير موضوعية تقوم على الكفاءة والخبرة.

وتظهر المقارنة بين الشركات العائلية ونظيراتها ذات الإدارة المهنية أن الاختلاف لا يقتصر على أسلوب القيادة فقط، بل يمتد أيضًا إلى كيفية بناء المسارات المهنية داخل المؤسسة. ففي كثير من الحالات، يتم تدبير مسار أفراد العائلة بشكل غير مؤطر أو دون آليات تقييم واضحة، بينما قد تُحدد الرواتب والمكافآت بناءً على الاعتبارات العائلية أو الاحتياجات الشخصية، بدل أن تستند إلى تقييم دقيق للمهام والمسؤوليات. وهو ما يؤدي تدريجيًا إلى تآكل مصداقية النظام الداخلي للمؤسسة ويجعلها أقل قدرة على جذب الكفاءات من خارج الدائرة العائلية.

كما تسلط الدراسة الضوء على إشكالية انتقال القيادة بين الأجيال، حيث غالبًا ما يتم إعداد الورثة لتولي المناصب القيادية في إطار محمي ومغلق، دون المرور بمسار مهني حقيقي يسمح لهم باكتساب الخبرة والشرعية داخل المؤسسة. وعلى عكس الشركات الكبرى التي تعتمد برامج تأهيل وتدريب للقيادات المستقبلية، يجد بعض الورثة أنفسهم في مواقع القرار قبل اختبار قدراتهم في بيئات تنافسية، وهو ما يضعف أحيانًا قدرتهم على فرض القيادة وإدارة التحديات المعقدة.

وتبرز أيضًا مسألة التمييز في توزيع الأدوار داخل بعض الشركات العائلية، إذ لا تزال بعض الأسر تميل إلى منح المناصب القيادية للذكور، بينما تُسند للنساء غالبًا وظائف مساندة مثل الموارد البشرية أو التواصل المؤسسي. هذا النمط من التوزيع لا يعكس فقط اختلالًا في فرص القيادة، بل يحرم الشركات أيضًا من الاستفادة الكاملة من كفاءات نسائية قد تكون مؤهلة للمساهمة في تطوير الإدارة والاستراتيجية.

وإلى جانب هذه الإشكالات، يظل نمط القيادة المركزي الذي يهيمن عليه المؤسس أحد أبرز التحديات التي تواجه انتقال الشركات العائلية نحو نموذج أكثر احترافية. ففي كثير من الأحيان، تُبنى القرارات على اعتبارات عاطفية أو ولاءات شخصية بدل أن تقوم على التحليل الاقتصادي والتخطيط الاستراتيجي، ما يخلق مقاومة داخلية لأي محاولة للتغيير أو التجديد، ويحد من قدرة الأجيال الجديدة على إدخال أفكار مبتكرة.

وفي خضم هذه التوازنات الحساسة، يجد مديرو الموارد البشرية أنفسهم في موقع معقد، إذ يتحول دورهم في بعض الحالات من صناع للسياسات المهنية إلى مجرد مراقبين لصراعات عائلية قد تمتد آثارها إلى الأداء الاقتصادي للمؤسسة. وعندما تنتقل الخلافات العائلية إلى فضاء الإدارة، تتحول بسرعة إلى توترات تنظيمية قد تؤثر على الاستقرار الداخلي وعلى ثقة الموظفين.

وبناءً على هذه المعطيات، تؤكد الدراسة أن مستقبل الشركات العائلية في المغرب لن يتحدد فقط بحجم رأسمالها أو تاريخها التجاري، بل بمدى قدرتها على تحديث نموذج حكامتها.

فالفصل الواضح بين الشؤون العائلية والقرارات الاقتصادية، ووضع قواعد شفافة لتدبير الموارد البشرية، وإلزام الورثة باكتساب تجربة مهنية حقيقية قبل تولي المناصب القيادية، كلها خطوات ضرورية لتحويل الروابط العائلية من مصدر توتر إلى رافعة للاستمرارية.

وفي نهاية المطاف، يبقى التحدي الحقيقي أمام هذه الشركات هو تحقيق التوازن بين روح العائلة التي صنعت نجاحها في الماضي ومتطلبات الاحترافية التي يفرضها اقتصاد اليوم. فإما أن تتحول العلاقات العائلية إلى إطار داعم لحكامة حديثة، أو أن تتحول تدريجيًا إلى عبء قد يهدد استمرارية هذا النموذج الاقتصادي الذي لعب دورًا محوريًا في تشكيل النسيج المقاولاتي المغربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى