
النفط على حافة الانفجار: هل تقود الحرب مع إيران العالم إلى صدمة طاقة قد تتجاوز 200 دولار للبرميل؟
الرباط: إستثمار
في لحظة جيوسياسية شديدة الحساسية، يبدو أن أسواق الطاقة العالمية تقف مجدداً أمام احتمال الدخول في واحدة من أخطر الأزمات النفطية منذ عقود. فقد حذرت شركة الأبحاث والاستشارات في قطاع الطاقة Wood Mackenzie من أن الحرب الدائرة في Iran بدأت بالفعل تُحدث اضطراباً عميقاً في تدفقات الطاقة القادمة من منطقة الخليج، وهو ما قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية قد تصل إلى 150 دولاراً للبرميل في المدى القريب، مع احتمال بلوغ 200 دولار خلال سنة 2026 إذا استمرت الأزمة وتوسعت رقعتها.
وتشير تقديرات الشركة إلى أن إمدادات النفط والمنتجات النفطية القادمة من الخليج تراجعت بنحو 15 مليون برميل يومياً نتيجة اضطراب حركة الصادرات وتزايد المخاطر الأمنية في المنطقة. ويكتسي هذا الرقم أهمية استثنائية إذا ما وضع في سياق الوزن الاستراتيجي للخليج في معادلة الطاقة العالمية؛ إذ تنتج دول الخليج مجتمعة ما يقارب 20 مليون برميل يومياً من السوائل النفطية، ما يعني أن الجزء الأكبر من هذه الكميات أصبح مهدداً بالخروج من السوق الدولية في حال استمرار التصعيد العسكري.
هذا التطور يعيد إلى الأذهان صدمات نفطية تاريخية غيرت موازين الاقتصاد العالمي، مثل أزمة النفط خلال 1973 Oil Crisis أو الاضطرابات التي رافقت Iranian Revolution، حين أدت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط إلى قفزات حادة في الأسعار وإلى موجات تضخم هزت الاقتصادات الصناعية. غير أن السياق الدولي الحالي يبدو أكثر هشاشة وتعقيداً؛ فالعالم يخرج بالكاد من آثار التضخم العالمي الذي أعقب جائحة COVID-19، بينما ما تزال تداعيات الحرب في Ukraine تضغط على أسواق الطاقة والمواد الأولية.
وفي هذا السياق لا يتعلق الأمر بمجرد ارتفاع عابر في أسعار النفط، بل بإعادة رسم محتملة لخريطة الطاقة العالمية. فتعطل جزء كبير من صادرات الخليج يعني عملياً اهتزاز أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، خاصة أن هذه المنطقة تمثل قلب الإمدادات النفطية الدولية ومصدراً أساسياً لتوازن السوق بين العرض والطلب. ومع تراجع الإمدادات بهذا الحجم، يصبح من الصعب على المنتجين الآخرين تعويض النقص بسرعة، حتى مع تدخل تحالف OPEC أو قيام بعض الدول بزيادة إنتاجها.
كما أن السيناريو الذي تتحدث عنه التقارير الاقتصادية لا يقتصر على صدمة في الأسعار، بل قد يمتد إلى تأثيرات اقتصادية أوسع. فارتفاع النفط إلى مستويات تتجاوز 150 دولاراً للبرميل قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة عالمياً، ويرفع تكاليف النقل والصناعة والغذاء، ما قد يدفع العديد من الاقتصادات إلى تباطؤ حاد أو حتى ركود اقتصادي.
وفي المقابل، ستجد الدول المستوردة للطاقة نفسها أمام ضغوط مالية هائلة، خصوصاً في الأسواق الناشئة التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط لتأمين حاجياتها الطاقية.
غير أن البعد الأكثر حساسية في هذا السيناريو يرتبط باحتمال تحول الأزمة إلى مواجهة إقليمية واسعة. فاستمرار الحرب مع إيران قد يؤدي إلى تهديد أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، وهو Strait of Hormuz، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية. وأي تعطيل طويل لهذا الممر سيشكل صدمة استراتيجية للاقتصاد الدولي، بما قد يدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود.
لكن القراءة النقدية لهذه التوقعات تطرح أيضاً تساؤلات حول طبيعة التقديرات التي تصدرها شركات الاستشارات في قطاع الطاقة. فمثل هذه التوقعات غالباً ما تتأثر بعوامل نفسية وسوقية، وقد تسهم في تضخيم حالة القلق داخل الأسواق المالية، خصوصاً أن أسعار النفط تخضع لمزيج معقد من العوامل السياسية والاقتصادية والمضاربات في الأسواق العالمية.
ومع ذلك يبقى المؤكد أن أي اضطراب كبير في إمدادات الخليج لن يمر دون تداعيات عميقة على الاقتصاد العالمي. فالعالم، رغم الحديث المتزايد عن الانتقال الطاقي والطاقة المتجددة، ما يزال يعتمد بشكل كبير على النفط كمصدر رئيسي للطاقة. وبالتالي فإن أي أزمة في هذه المنطقة الحساسة قادرة على إعادة رسم التوازنات الاقتصادية العالمية، وربما دفع الدول الكبرى إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها الطاقية والأمنية على حد سواء.





