كيف تحولت المقاولات الصغيرة جدا في المغرب إلى ضحية نظام لا يخدمها؟

الرباط: نارمان بنمسعود

تكشف نتائج الدراسة الوطنية التي أنجزتها الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة عن مفارقة صارخة في بنية الاقتصاد المغربي: فبينما تشكل هذه المقاولات ما يقارب 97% من النسيج المقاولاتي، فإنها في المقابل تعيش وضعا أقرب إلى “الإقصاء المنهجي” داخل منظومة يفترض أنها خُلقت لدعمها.

هذه المفارقة تطرح سؤالا جوهريا حول طبيعة الخلل: هل هو ضعف ذاتي في هذه المقاولات، أم عطب بنيوي في البيئة الاقتصادية التي تحتضنها؟
الدراسة تميل بوضوح إلى الفرضية الثانية، معتبرة أن المشكل لا يرتبط بقدرات هذه المقاولات بقدر ما يعكس اختلالا عميقا في المنظومة الاقتصادية والإدارية والمالية. فالمغرب، الذي يضم أزيد من 4.1 ملايين مقاولة صغيرة جدا، يجد نفسه أمام قوة إنتاجية ضخمة نظريا، لكنها مشلولة عمليا بسبب ما يشبه “جدارا غير مرئي” من القيود الهيكلية.

أبرز هذه القيود يتجلى في العزلة التمويلية، حيث لا تستفيد سوى أقل من 5% من هذه المقاولات من التمويل البنكي، في مقابل معدل إفلاس مرتفع يصل إلى 70% خلال السنوات الأولى من عمرها. هذه الأرقام تعكس مقارنة صادمة مع الاقتصادات التي تعتمد على هذه الفئة كرافعة للنمو، حيث يشكل الولوج إلى التمويل فيها أداة أساسية للاستمرارية، لا عائقا قاتلا كما هو الحال في المغرب.

ولا يقف الأمر عند التمويل، بل يمتد إلى ما يمكن وصفه بـ”هدر الفرص العمومية”، إذ رغم تخصيص 20% من الصفقات العمومية قانونيا لهذه المقاولات، فإن حصتها الفعلية لا تتجاوز 10%. هذا الفارق لا يمثل مجرد خلل تقني، بل يكشف عن عجز في تفعيل السياسات العمومية، يكلف الاقتصاد الوطني خسارة تقدر بـ30 مليار درهم سنويا، في وقت يحتاج فيه إلى كل دينامية ممكنة لتحفيز النمو.

في المقابل، تبرز فجوة رقمية لافتة تعكس تناقضا آخر: فبينما ترتبط 97% من هذه المقاولات بالإنترنت، فإن 80% منها تفتقر إلى حضور رقمي اقتصادي فعّال. هذا يعني أن الرقمنة، التي تشكل رافعة أساسية للتنافسية عالميا، ما تزال في المغرب حبيسة الاستخدام الاجتماعي، دون أن تتحول إلى أداة إنتاجية حقيقية.

الأخطر من ذلك هو المسار الذي تفرضه هذه الاختلالات، والذي يمكن وصفه بـ”حلقة الفشل المغلقة”: فالإقصاء من التمويل يدفع المقاولات إلى اللجوء للقطاع غير المهيكل، حيث تفقد إمكانية التطور والولوج للأسواق، قبل أن تنتهي في الغالب بالإفلاس. وهكذا يتحول القطاع غير المهيكل من هامش اقتصادي إلى قلب نابض يستوعب أكثر من 77% من السكان النشطين، في دلالة واضحة على فشل النموذج الحالي في الإدماج.

الأرقام المسجلة بين 2022 و2025 تؤكد هذا المنحى التصاعدي للأزمة، مع إفلاس حوالي 150 ألف مقاولة، 99% منها صغيرة جدا، ووتيرة بلغت في 2025 إفلاس مقاولة كل عشر دقائق. هذه الدينامية لا تعكس فقط أزمة مقاولات، بل تنعكس مباشرة على مؤشرات الاقتصاد الكلي، حيث تجاوزت البطالة 13%، وقفزت بطالة الشباب إلى أكثر من 50%، ما يربط بشكل مباشر بين هشاشة هذا النسيج المقاولاتي واختلالات سوق الشغل.

في المقابل، تقترح الدراسة حلولا تتجاوز منطق الدعم الظرفي نحو إصلاحات هيكلية، من بينها إدماج الذكاء الاصطناعي في مواكبة المقاولين عبر “TPE Voice”، وإحداث تجمعات اقتصادية لتمكين هذه المقاولات من ولوج جماعي للتمويل والصفقات، إضافة إلى تعزيز تمثيليتها داخل المؤسسات، وفرض آجال أداء صارمة للحد من نزيف السيولة.

غير أن جوهر الرسالة التي تحملها هذه الدراسة يتجاوز تفاصيل الحلول، ليطرح خلاصة حاسمة: المشكلة ليست في المقاولات الصغيرة جدا، بل في النظام الذي يحيط بها. فهي لا تطلب دعما بقدر ما تطالب ببيئة عادلة وملائمة تسمح لها بالقيام بدورها الطبيعي كمحرك للنمو.

وبين تشخيص دقيق وأرقام مقلقة، تبدو المناظرة الوطنية المرتقبة في يونيو 2026 لحظة فاصلة: إما أن تتحول هذه الخلاصات إلى إصلاحات فعلية تعيد الاعتبار لهذا “العمود الفقري” للاقتصاد، أو يستمر نزيف الإفلاسات، ويتحول الوزن العددي لهذه المقاولات من قوة كامنة إلى عبء هيكلي يثقل كاهل الاقتصاد الوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى