المغرب يتحمل كلفة إضافية تقارب المليار درهم شهرياً لحماية المواطنين من تقلبات أسعار الطاقة

الرباط: ريم بنكرة

هذا الدعم غير المسبوق الذي أعلنت عنه الحكومة المغربية لفائدة غاز البوتان والكهرباء، والذي يتجاوز كلفته الإجمالية المليار درهم شهرياً، لم يأتِ من فراغ، بل في سياق إقليمي مضطرب بفعل استمرار الحرب في غزة ولبنان وتهديداتها المتجددة للملاحة في البحر الأحمر، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على واردات الطاقة، فضلاً عن التقلبات الحادة في أسعار النفط والغاز عالمياً.

وإذ يوضح فوزي المغرب يتحمل كلفة إضافية تقارب المليار درهم شهرياً لحماية المواطنين من تقلبات أسعار الطاقة

في ظل تصاعد التوترات بالشرق الأوسط وانعكاساتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، كشف فوزي لقجع، الوزير المنتدب لدى وزارة المالية المكلف بالميزانية، أن الحكومة المغربية تتخذ إجراءات استباقية للحفاظ على استقرار أسعار الطاقة للمواطنين، مؤكداً خلال ندوة صحفية عقب المجلس الحكومي أن الدولة ستثبت سعر غاز البوتان المنزلي، متحملة 78 درهماً لكل قنينة وزن 12 كيلوغراماً، مقابل 30 درهماً فقط قبل الأزمة، أي دعم إضافي بقيمة 48 درهماً لكل قنينة.

وأوضح أن تكلفة هذا الدعم تبلغ حوالي 600 مليون درهم شهرياً، في حين تتحمل الدولة أيضاً 400 مليون درهم إضافية شهرياً لتثبيت تسعيرة الكهرباء دون أي تغيير، وذلك في إطار متابعة دقيقة لجميع المتغيرات الدولية بالقطاع الطاقي لحماية القدرة الشرائية للمغاربة وتفادي أي تداعيات سلبية للأزمات الخارجية على الأسعار المحلية. فقط في فترة ما قبل الأزمة، فإن هذا يعني عملياً أن المواطن المغربي لا يدفع حالياً سوى جزء بسيط من الكلفة الحقيقية للقنينة، التي كان من الممكن أن تتجاوز 100 درهم لولا تدخل الخزينة العامة.

وهذا الدعم الذي يصل إلى 48 درهماً إضافياً لكل قنينة، يهدف بوضوح إلى تجنب سيناريو ارتفاع فواتير الطاقة بشكل مفاجئ، وهو ما كان سينعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية والخدمات، ويزيد من معاناة الأسر ذات الدخل المحدود التي تشكل الغاز المنزلي شرياناً أساسياً للطهي والتدفئة.

وفي قطاع الكهرباء، يبدو المشهد أكثر تعقيداً، إذ تتحمل الدولة شهرياً 400 مليون درهم إضافية لتجميد التسعيرة، رغم أن التكاليف الفعلية للإنتاج والاستيراد ارتفعت بشكل كبير.

وهذا القرار يحمي الصناعيين والتجار والمواطنين من صدمة زيادة محتملة في الأسعار كانت ستربك الميزانيات الأسرية والشركات الصغرى في أوقات تضخم عالمي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بحدة هو: إلى متى يمكن للدولة أن تستمر في هذا المستوى من الدعم؟ فالميزانية العامة تعاني أصلاً من عجز، ومثل هذه التحويلات الضخمة تلتهم أموالاً كان يمكن توجيهها للصحة أو التعليم أو البنية التحتية.

الحكومة تراهن على أن هذه الإجراءات استباقية ومؤقتة، وأن تراجع التوترات الدولية قد يسمح بتخفيف تدريجي للدعم مستقبلاً، دون أن يصرح أحد بذلك صراحة.

ومن المثير للانتباه أن لقجع ربط هذه الإجراءات بـ”حماية القدرة الشرائية” و”تثبيت الأسواق المحلية”، وهذا مؤشر على أن المخاوف الحكومية لا تقتصر على الجانب الطاقي فقط، بل تمتد إلى الاحتقان الاجتماعي الذي قد ينجم عن أي ارتفاع مفاجئ في الأسعار.

فالتجارب السابقة في المغرب، كما في دول أخرى، أثبتت أن رفع الدعم عن المواد الأساسية فجأة يغذّي الاحتجاجات ويقوض ثقة المواطن في السياسات الاقتصادية. لذلك، تفضل الحكومة حالياً استنزاف جزء من احتياطيها المالي لتجنب اضطرابات قد تكون كلفتها السياسية أعلى بكثير من كلفة الدعم نفسه.

في المحصلة، هذا التثبيت الاستباقي لأسعار الغاز والكهرباء هو بمثابة جسر عبور فوق مياه الأزمات الإقليمية المضطربة، لكنه يظل رهناً بمدة الأزمة نفسها. فكل شهر يمر يضيف قرابة المليار درهم على عجز صندوق المقاصة، والجميع يترقب إن كانت الأسواق العالمية ستعود إلى هدوئها قريباً، أم أن المغرب سيضطر مستقبلاً إلى إعادة النظر في سياساته الطاقية والبحث بشكل أسرع عن بدائل، كتسريع مشاريع الطاقات المتجددة أو التعاقد على توريد الغاز الطبيعي المسيل بأسعار ثابتة طويلة الأجل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى