
“عيد الأضحى يطرق أبواب المغاربة بفاتورة مرعبة”.. كيف تحولت فرحة العيد إلى موسم لاستنزاف جيوب الأسر؟
الرباط: نارمان بنمسعود
مع اقتراب عيد الأضحى، تدخل آلاف الأسر المغربية سباقا مرهقا مع النفقات في واحدة من أكثر الفترات ضغطا على ميزانياتها، وسط موجة غلاء متواصلة وتراجع واضح في القدرة على الادخار.
فالعيد الذي يرتبط لدى المغاربة بقيم دينية واجتماعية عميقة، بات يتحول تدريجيا إلى اختبار مالي قاسٍ يضع الفئات المتوسطة والهشة أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على التقاليد وتجنب السقوط في دوامة الديون.
وتزداد حدة هذا الضغط مع تزامن مصاريف العيد مع ترتيبات العطلة الصيفية، بعد موسم دراسي استنزف بدوره مداخيل الأسر.
هذا التراكم في النفقات يخلق حالة من “الإنفاق القسري” الذي يلتهم السيولة النقدية في أيام قليلة، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الأضاحي وتكاليف المعيشة المرتبطة بالنقل والمواد الغذائية والمحروقات.
وتكشف المعطيات الرسمية أن نسبة كبيرة من الأسر المغربية لم تعد قادرة على تغطية مصاريفها بشكل مريح، فيما تضطر فئات واسعة إلى استنزاف مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض لمواجهة الالتزامات اليومية.
أما الادخار، فقد أصبح امتيازا نادرا لا يتجاوز نسبة ضئيلة من الأسر، وهو ما يعكس هشاشة مالية متفاقمة تجعل أي مناسبة موسمية قابلة لإرباك التوازن الاقتصادي للعائلة المغربية.
كما ساهم العامل النفسي والاجتماعي في رفع منسوب الطلب بشكل غير مسبوق، خاصة لدى الأسر التي لم تقم بشعيرة النحر السنة الماضية، حيث تعيش حالة من “التعويض المعنوي” تدفعها إلى التشبث بالأضحية مهما كانت الكلفة.
هذا الاندفاع الاستهلاكي منح الوسطاء والمضاربين قوة أكبر للتحكم في الأسعار داخل سوق يفتقر في كثير من الأحيان إلى المراقبة والتنظيم الكافيين.
وفي ظل هذا الوضع، يجد المواطن نفسه محاصرا بين ارتفاع الأسعار وضعف القدرة التفاوضية، بينما يتحول “الشناقة” إلى المستفيد الأكبر من دورة اقتصادية ضخمة تدر ملايين الدراهم في فترة وجيزة. فكل ارتفاع في تكاليف الأعلاف أو النقل ينعكس مباشرة على المستهلك النهائي، في حين يبقى الفلاح الصغير نفسه أحيانا الحلقة الأضعف داخل سلسلة التوزيع.
ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن صرف الأجور بشكل مبكر، رغم أنه يمنح الأسر متنفسا مؤقتا للاستعداد للعيد، إلا أنه يساهم في رفع الطلب بشكل سريع داخل السوق، ما يؤدي غالبا إلى ارتفاع إضافي للأسعار، ثم يترك الأسر أمام شهر جديد بموارد مالية شبه مستنزفة، خصوصا مع انطلاق العطلة الصيفية وما تفرضه من مصاريف إضافية.
وفي المقابل، يشكل عيد الأضحى فرصة اقتصادية حيوية للعالم القروي ولمربي الماشية، باعتباره موسما ينعش الدورة الاقتصادية ويوفر مداخيل مهمة للفلاحين الصغار الذين يعتمدون على تربية الأغنام كمورد أساسي للعيش. غير أن هذا البعد الاقتصادي والاجتماعي يفقد جزءا من توازنه حين يتحول السوق إلى مجال للمضاربة بدل تحقيق التوازن بين حماية المنتج وضمان القدرة الشرائية للمستهلك.
ومع اقتراب العيد، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة السلطات على ضبط السوق ومواجهة المضاربات وحماية الأسر من انفلات الأسعار، خصوصا أن استمرار موجة الغلاء قد يدفع الكثير من العائلات نحو القروض الاستهلاكية، لتتحول فرحة المناسبة إلى عبء مالي يمتد لأشهر طويلة بعد انقضاء العيد.





