بين وعود “المغرب الرقمي 2030” وفجوات التنزيل على أرض الواقع

الرباط: ريم بنكرة

يقدم التصريح الحكومي الأخير لأمل الفلاح السغروشني مشهدًا مزدوجًا للتحول الرقمي في المغرب: من جهة، أرقام قياسية في التغطية والخدمات؛ ومن جهة أخرى، اعترافات ضمنية بفجوات هيكلية في العدالة المجالية وجودة الخدمة. فيما يلي مقارنة نقدية بين الأبعاد المختلفة:

1. المفارقة في “تقليص الفجوة الرقمية”: بين إنجازات البنيات التحتية وعوائق التجهيزات

· تكاد تكون تغطية “المخطط الوطني للصبيب العالي” كاملة (10,690 منطقة من أصل 10,740)، أي بنسبة 99.5%. رقم يعكس تقدماً لوجستياً لا يُنكر.
· المقارنة النقدية: لكن الوزيرة تورد لاحقاً أن 87.8% من سكان القرى يمتلكون هواتف ذكية، شرط أن تكون ملاءمة لتقنيات الجيل الرابع. هنا تكمن المفارقة: التغطية وحدها دون توافق الأجهزة (كثير منها قديم أو غير متوافق) تخلق “فجوة رقمية خفية” لا تعكسها الإحصائيات. مقارنةً بالمدن حيث النسبة تقترب من 100% من الأجهزة المؤهلة، يبقى الريف في سباق مع الزمن التقني.

2. المقارنة بين نوعين من التغطية: “التجوال الوطني” و”VSAT” مقابل شبكات الألياف

· التحليل: توظف الحكومة حلين بديلين للمناطق الوعرة: الأقمار الاصطناعية (VSAT) بدعم 2500 درهم، والتجوال بين شبكات المتعهدين في أكثر من 7,300 منطقة.

مقارنة بالمدن التي تستفيد من الألياف البصرية والجيل الرابع/الخامس المستقر، تقدم هذه الحلول سرعات أقل وزمن استجابة أبطأ (خصوصاً VSAT). في حين تضمن “التجوال الوطني” عدم انقطاع الخدمة، فإنه لا يضمن جودة الخدمة (قد يتحول المواطن إلى شبكة أضعف دون تغيير السعر). هذا يشبه “طوق نجاة رقمي” وليس تكافؤ فرص حقيقياً.

3. “الحكومة المنفتحة”: بين الالتزامات الدولية والانعكاس المحلي

· التحليل: نسب تنفيذ خطط العمل (84% في الأولى، 83% في الثانية، 55% في الثالثة) إيجابية، وتجديد عضوية لجنة القيادة الدولية حتى 2027 يمنح شرعية دولية.

· لكن مفارقة “الانفتاح” تبرز عند مقارنة هذا التقدم بمؤشرات مشاركة المجتمع المدني: ففضاء الجمعيات يضم أكثر من 1000 جمعية، لكن النص لا يُظهر أثراً ملموساً لهذه المشاركة في تحسين الخدمات اليومية. المقارنة الدولية (مثلاً مع إستونيا أو أوروغواي) تُظهر أن “الانفتاح الحقيقي” يقاس بمدى وصول المواطن إلى تعديل السياسات، وليس فقط عدد الجمعيات المسجلة.

4. معالجة الشكايات: سرعة كمية مقابل جودة نوعية

· التحليل: 70% من الشكايات عُولجت (163 ألف شكاية) بمعدل 16 يوماً، وانخراط 1749 إدارة وجماعة.
· المقارنة النقدية: لكن المعدل السريع لا يخبرنا عن نسبة الحلول الجذرية مقابل الردود الشكلية. مقارنة بالسنوات الماضية، الإنجاز إيجابي، لكنه يظل أقل من معايير الحكومة الإلكترونية المتقدمة (مثل الإمارات حيث أيام قليلة). كما أن غياب تصنيف للشكايات (إدارية أم تقنية أم متعلقة بالجودة) يجعل الرقم 70% مبهراً ظاهرياً لكنه غامض جوهراً.

5. التحدي غير المذكور: التوحيد بدلاً من التعدد

· الخلاصة التحليلية: بينما تفتخر الوزيرة بـ “600 خدمة رقمية” وتطبيق “IDARATI X.0″، فإن التحدي الحقيقي ليس عدد الخدمات، بل تفكيك الجزر المنعزلة بين الإدارات. مقارنةً بالتجارب الناجحة (كالنظام الموحد في البرتغال)، لا يزال المواطن المغربي بحاجة إلى بوابات متعددة لكي ينجز إجراءات متفرقة، مما يخلق فجوة بين “التغطية الرقمية” و”التجربة الرقمية السلسة”.

خلاصة مقارنة: تعكس الأرقام المقدمة قصة نجاح بنيوي وتنظيمي من جهة، لكنها تخفي ثلاث فجوات كبرى من جهة أخرى: (1) فجوة الجودة بين الريف والحلول البديلة، (2) فجوة التجهيزات الذكية المؤهلة، (3) فجوة المشاركة الفعلية للمواطن في صنع القرار الرقمي. العبرة لن تكون ببلوغ 2030، بل بمدى تقلص هذه الفجوات الثلاث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى