“513 مليار درهم خارج الأبناك”.. لماذا يفشل المغرب في إعلان نهاية زمن “الكاش”؟

الرباط: إدريس بنمسعود

رغم تسارع الحديث الرسمي عن الرقمنة المالية وإطلاق مشاريع كبرى مثل “الدرهم الإلكتروني”، ما يزال المغرب يعيش مفارقة اقتصادية لافتة: توسع غير مسبوق في تداول النقد الورقي والقطع المعدنية، مقابل بطء واضح في انتشار الأداء الرقمي.

فالأرقام الأخيرة تكشف أن حجم “الكاش” المتداول بلغ مع نهاية سنة 2025 حوالي 513 مليار درهم، بارتفاع تجاوز 15 في المائة، في مؤشر يعكس أن المجتمع المغربي لا يزال يفضل الاحتفاظ بالأموال في الجيوب بدل التطبيقات البنكية والمحافظ الرقمية.

هذه المفارقة لا ترتبط فقط بعادات الاستهلاك اليومية، بل تكشف بنية اقتصادية واجتماعية أعمق، حيث يواصل الاقتصاد غير المهيكل فرض منطقه الخاص بعيدا عن الرقابة الجبائية والتتبع المالي.

فآلاف الأنشطة التجارية والخدماتية والفلاحية تعتمد بشكل شبه كلي على المعاملات النقدية، ليس فقط لسهولة التداول، وإنما أيضا لتفادي أي أثر رقمي قد يفتح الباب أمام المراقبة الضريبية أو المساءلة المالية.

ويرى خبراء الاقتصاد أن ارتفاع تداول النقد لا يعكس مجرد مقاومة للتكنولوجيا، بل يعبر عن أزمة ثقة مركبة تشمل المنظومة البنكية والحلول الرقمية وحتى السياسات العمومية المرتبطة بالمراقبة المالية.

فجزء مهم من المواطنين، خاصة في العالم القروي وبين كبار السن، ما يزال يعتبر “الكاش” الوسيلة الأكثر أمانا ووضوحا وتحكما في المصاريف، في ظل ضعف الثقافة المالية الرقمية والأمية التكنولوجية التي تحد من انتشار وسائل الأداء الحديثة.

كما أن البعد النفسي يلعب دورا محوريا في هذه المعادلة، إذ يفضل كثير من المغاربة الاحتفاظ بالنقد بدافع الاحتياط والخوف من الطوارئ أو الأزمات، وهو سلوك تعزز خلال السنوات الأخيرة بفعل التقلبات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتحولت هذه الممارسة مع الوقت إلى ثقافة اجتماعية مترسخة، تجعل الأداء النقدي أكثر حضورا في المعاملات اليومية والمناسبات وحتى الأنشطة التجارية الكبرى.

ولا يقتصر الأمر على الأفراد فقط، بل إن عددا كبيرا من التجار والمقاولات الصغيرة يفضلون بدورهم المعاملات النقدية بسبب التخوف من الرسوم البنكية المرتبطة بأجهزة الأداء الإلكتروني، إضافة إلى التعقيدات التقنية وضعف التحفيزات.

لذلك ظلت المبادرات الحكومية والخاصة لتشجيع الأداء الرقمي محدودة الأثر، رغم الحملات المتكررة التي تراهن على تقليص الاعتماد على “الكاش”.

في المقابل، يراهن بنك المغرب على مشروع “الدرهم الإلكتروني” باعتباره خطوة استراتيجية لإعادة تشكيل النظام النقدي الوطني، غير أن نجاح هذا المشروع يبقى رهينا بإصلاحات أوسع تتجاوز الجانب التقني.

فالمعضلة الحقيقية لا تكمن في غياب التطبيقات أو الحلول الرقمية، بل في غياب بيئة اقتصادية واجتماعية قادرة على بناء الثقة وضمان شمول مالي فعلي لفئات واسعة لا تزال خارج المنظومة البنكية.

ويبدو أن المغرب، رغم طموحه الرقمي، ما يزال عالقا بين اقتصاد رسمي يسعى إلى الرقمنة والشفافية، واقتصاد موازٍ يفضل “الكاش” باعتباره مساحة آمنة بعيدة عن أعين الرقابة والاقتطاعات والضرائب.

لذلك فإن معركة الانتقال نحو مجتمع أقل اعتمادا على النقد لن تُحسم بالتكنولوجيا وحدها، بل بإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات المالية، وتحويل الرقمنة من عبء مراقبة إلى أداة تسهيل وطمأنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى