
حين يصبح السؤال: من سيتصدر نتائج الانتخابات؟
الرباط: د عبد العالي بالياس استاذ بكلية الحقوق السويسي
غدا يتوجه الناخبون والناخبات إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس النواب، لكن السؤال الذي يختزل انتظارات الرأي العام لم يعد: كم مقعدا سيحصل عليه كل حزب؟ بل أصبح: من سيتصدر الانتخابات؟
منذ دستور 2011 اكتسب هذا السؤال أهمية دستورية في الحياة السياسية والمؤسساتية ، بعدما ربط الفصل 47 من الدستور تعيين رئيس الحكومة بالحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب.
ولذلك أصبحت الانتخابات عمليا، سباقا على المرتبة الأولى، باعتبارها بوابة قيادة الحكومة، وليس مجرد منافسة على عدد من المقاعد.
غير أن المفارقة التي تطرحها التجربة الانتخابية المغربية خلال السنوات الأخيرة هي أن التنافس لم يعد دائما بين أغلبية ومعارضة، بل بين الاحزاب المشكلة للأغلبية نفسها.
فقد أفرزت انتخابات 2021 تحالفا حكوميا بقيادة حزب الأحرار الذي كان جزء من تحالف انتخابات 2016، وهو ما جعل التداول السياسي يأخذ شكلا مختلفا: تناوب داخل الأغلبية أكثر منه تناوب بين الأغلبية والمعارضة.
وهنا تكمن إحدى الإشكالات الحقيقية للممارسة الحزبية: إذا كانت أحزاب الأغلبية المتنافسة اليوم على أن تصبح غدا مكونات للتحالف الحكومي نفسه، فأين تكمن الفوارق السياسية التي تمكن الناخب من الاختيار بين البرامج والمشاريع؟
المشكلة ليست في التحالفات، فهي جزء طبيعي من النظام الحزبي التعددي، وإنما في أن تتحول الانتخابات إلى منافسة على المواقع داخل الأغلبية بدل أن تكون منافسة بين بدائل سياسية واضحة. فالتعدد الحزبي لا يعني بالضرورة تعدد الخيارات السياسية.
والشيء نفسه يطرح بالنسبة للبرامج الانتخابية،لقد أصبحت أكثر تفصيلا، وأكثر اعتمادا على الأرقام والالتزامات والآجال، لكن كثرة الوعود لا تعني دائما وضوح البدائل.
فمعظم الأحزاب تتحدث عن القدرة الشرائية، والتشغيل، والصحة، والتعليم، والاستثمار، والحماية الاجتماعية، وكأن الجميع يتفق على تشخيص الوضع ، بينما يبقى السؤال الحقيقي: ما اختلاف الوصفة؟ وكيف ستمول؟ ومن سيتحمل مسؤولية تنفيذها؟
والأكثر إثارة أن بعض الخطابات الانتخابية تتعامل مع حصيلة الولاية السابقة وكأن السياسات العمومية التي طبقت خلالها لم تكن نتاجا لمسؤولية حكومية ومؤسساتية مشتركة، بل وكأنها صُنعت من طرف “آخر غير الأطراف المشكلة للحكومة. والحال أن المحاسبة الديمقراطية تقتضي تحديد المسؤوليات بدقة: ماذا أنجزت الحكومة؟ ماذا أخفقت فيه؟ ما الذي كان خارج قدرتها؟ وماذا ستغير المعارضة إذا انتقلت إلى موقع المسؤولية؟
فالناخب لا يحتاج إلى من يشرح له أن الأسعار مرتفعة أو أن البطالة مشكلة أو أن الصحة والتعليم يحتاجان إلى الإصلاح؛ فهو يعيش هذه الوقائع يوميا. ما يحتاج إليه هو أن يعرف ما الذي سيختلف فعلا إذا منح صوته لهذا الحزب أو ذاك.
لذلك، فإن انتخابات 2026 تطرح سؤالا يتجاوز معرفة الحزب الذي سيحتل المرتبة الأولى. السؤال الأعمق هو: هل نحن أمام تغيير في ترتيب الأحزاب، أم أمام تغيير في الاختيارات السياسية؟
فالانتخابات الديمقراطية لا تختبر فقط في لحظة إعلان النتائج، وإنما في قدرتها على إنتاج بدائل واضحة، وأغلبية مسؤولة، ومعارضة قادرة على الرقابة، ثم محاسبة الجميع بعد انتهاء الولاية.





