حرب إيران.. من صواريخ الشرق الأوسط إلى فاتورة اقتصادية تثقل واشنطن وتهز الأسواق العالمية

الرباط: المهدي الجرباوي

بعد مرور نحو سبعة أشهر على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، لم تعد تداعيات المواجهة محصورة في ساحات القتال أو في حجم العمليات العسكرية، بل تحولت تدريجيا إلى أزمة اقتصادية عابرة للحدود، تتجسد في ارتفاع الإنفاق العسكري الأمريكي، وتقلبات أسعار الطاقة، واضطراب التجارة الدولية، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، لتجد حكومات وشركات ومستهلكون أنفسهم أمام فاتورة متصاعدة لحرب بعيدة جغرافيا لكنها قريبة اقتصاديا.

وتشير المعطيات الأمريكية إلى أن كلفة الحرب بالنسبة إلى واشنطن تجاوزت عشرات مليارات الدولارات، في وقت بدأت فيه انعكاساتها تظهر داخل الاقتصاد الأمريكي من خلال ارتفاع أسعار الوقود وزيادة الضغوط على الأسر والشركات، بينما امتدت آثارها إلى اقتصادات تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة.

وتكشف تقديرات القيادة المركزية الأمريكية أن النفقات المباشرة للحرب بلغت حوالي 43.6 مليار دولار إلى غاية بداية شتنبر الجاري، تشمل أساسا ما يفوق 28 مليار دولار لإعادة تعويض الذخائر التي استُهلكت خلال العمليات، إضافة إلى أكثر من 4.3 مليارات دولار لتعويض المعدات العسكرية المتضررة أو المفقودة. كما توزعت النفقات بين مختلف فروع الجيش، حيث سجل سلاح الجو أكبر حصة من الإنفاق بأكثر من 6.6 مليارات دولار، متبوعا بالبحرية والجيش.

غير أن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة التكلفة النهائية للمواجهة، إذ لا تشمل بشكل كامل نفقات إصلاح المنشآت العسكرية أو تداعيات استمرار العمليات لفترة أطول. وكان مكتب الميزانية في الكونغرس قد قدر في وقت سابق أن الحرب كلفت الخزانة الأمريكية نحو 38 مليار دولار حتى يوليوز، محذرا من أن استمرار المواجهات قد يضيف مليارات الدولارات شهريا إلى الفاتورة.

وبالمقارنة مع الحروب السابقة، تكشف هذه المعطيات أن العبء المالي لا يرتبط فقط بحجم الترسانة المستخدمة، بل أيضا بطول مدة النزاع، إذ تتحول كل مرحلة إضافية من القتال إلى ضغط جديد على الميزانية الفيدرالية الأمريكية، في وقت تواجه فيه واشنطن أصلا تحديات مرتبطة بالعجز والدين العام.

لكن الكلفة العسكرية ليست سوى الجانب الأول من الأزمة، فالحرب نقلت جزءا كبيرا من أعبائها إلى الاقتصاد المدني، خصوصا عبر بوابة الطاقة. فقد أدى اضطراب الأسواق النفطية وارتفاع أسعار البنزين والديزل إلى زيادة مباشرة في نفقات ملايين الأمريكيين.

ووفق دراسة صادرة عن “Climate Solutions Lab” بجامعة براون، تجاوزت الكلفة الإضافية التي تحملها المستهلكون الأمريكيون بسبب ارتفاع أسعار الوقود 100 مليار دولار بحلول السابع من شتنبر، مقارنة بالسيناريو الافتراضي الذي لم تكن فيه الحرب قائمة.

كما قدرت الدراسة أن الأسرة الأمريكية تحملت في المتوسط أكثر من 750 دولارا إضافيا على البنزين والديزل منذ نهاية فبراير 2026.

وتتجاوز تداعيات ارتفاع أسعار الوقود حدود محطات التعبئة، فالديزل يعد عنصرا أساسيا في النقل والشحن والزراعة والإنتاج الصناعي، ما يجعل أي ارتفاع في سعره ينتقل تدريجيا إلى أسعار المواد الغذائية والسلع والخدمات.

وهكذا تتحول الحرب بالنسبة إلى المواطن الأمريكي من ملف جيوسياسي بعيد إلى تكلفة يومية تظهر في ميزانية الأسرة.

وعلى المستوى العالمي، تتخذ الأزمة أبعادا أكثر تعقيدا بسبب أهمية مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. فقبل اندلاع الحرب، كانت كميات ضخمة من النفط والمنتجات المكررة تمر عبر هذا الممر الحيوي، ما جعل أي اضطراب في حركة الملاحة ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية.

ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن نحو 20 مليون برميل يوميا كانت تعبر مضيق هرمز قبل الحرب، أي ما يقارب خمس الاستهلاك العالمي، في وقت أدى فيه اضطراب الإمدادات إلى فقدان كميات كبيرة من النفط من الأسواق، رغم محاولات بعض المنتجين تعويض جزء من النقص عبر مسارات بديلة.

وتكشف هذه الوضعية أن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر حساسية تجاه الأزمات الجيوسياسية، فحتى الدول التي لا تشارك في الحرب تجد نفسها أمام ارتفاع في تكلفة الطاقة، وزيادة في كلفة النقل والتأمين، وضغوط جديدة على معدلات التضخم.

وتختلف حدة التأثيرات حسب طبيعة كل اقتصاد؛ فالدول المستوردة للطاقة تواجه ارتفاعا في فاتورة الواردات، بينما تجد الاقتصادات ذات الدخل المحدود نفسها أمام تحديات أكبر، لأن الطاقة والنقل والغذاء تستحوذ على نسبة مهمة من إنفاق الأسر.

كما أن ارتفاع أسعار الأسمدة والطاقة يمكن أن ينعكس سريعا على أسعار المواد الغذائية.

أما الشركات العالمية، فقد أصبحت بدورها طرفا مباشرا في الأزمة، إذ تواجه ارتفاع تكاليف الإنتاج، واضطرابات في سلاسل الإمداد، وزيادة في أسعار الشحن والتأمين. وأظهر تحليل سابق لوكالة “رويترز” أن شركات كبرى في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا قدرت خسائرها والتكاليف المرتبطة بالحرب بمليارات الدولارات، مع لجوء العديد منها إلى رفع الأسعار أو تقليص الإنتاج أو تأجيل بعض الاستثمارات.

وتزداد صعوبة الوضع بالنسبة إلى القطاع الخاص لأن الطاقة لا تمثل تكلفة مستقلة، بل تدخل في مختلف مراحل الإنتاج، من التصنيع إلى النقل والتوزيع، ما يجعل تأثير ارتفاع أسعارها يتضاعف عبر مختلف حلقات الاقتصاد.

وتأتي هذه الضغوط في ظرف تحاول فيه البنوك المركزية العالمية احتواء التضخم. ويحذر صندوق النقد الدولي من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء قد يعرقل جهود خفض التضخم ويضغط على النمو الاقتصادي. وفي الولايات المتحدة، أشار مكتب الميزانية في الكونغرس إلى إمكانية ارتفاع التضخم بفعل الحرب خلال الأشهر الأولى من عام 2027.

وهنا تظهر معادلة اقتصادية معقدة: فالحرب ترفع أسعار الطاقة، وارتفاع الطاقة يعيد إشعال التضخم، بينما قد تضطر البنوك المركزية إلى الإبقاء على سياسات نقدية أكثر تشددا، وهو ما قد ينعكس على وتيرة النمو والاستثمار.

وتبرز الأرقام المتراكمة أن حرب إيران أصبحت أزمة متعددة المستويات؛ فهناك فاتورة عسكرية أمريكية تجاوزت 43 مليار دولار، وفاتورة داخلية مرتبطة بالطاقة تخطت 100 مليار دولار بالنسبة للمستهلكين الأمريكيين وفق تقديرات أكاديمية، إضافة إلى فاتورة عالمية غير مباشرة تشمل اضطراب الأسواق، وارتفاع تكاليف التجارة، وزيادة الضغوط التضخمية.

وبذلك لم يعد السؤال الاقتصادي مرتبطا فقط بحجم ما أنفقته واشنطن منذ بداية الحرب، بل أصبح مرتبطا بمدى قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل استمرارها. فكل شهر إضافي من المواجهة يعني إنفاقا عسكريا جديدا بالنسبة للولايات المتحدة، ومزيدا من عدم اليقين بالنسبة لأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

إن كلفة الحرب لا تقاس فقط بما يحدث في الميدان، بل بما تتركه من آثار في الموازنات والأسواق وميزانيات الأسر، وهو ما يجعل مستقبل الاقتصاد العالمي مرتبطا بشكل وثيق بمصير هذه المواجهة ومدى استمرارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى