إفراسن بين ثقة الدولة وغضب الولاية: صدام يكشف أسرار الصفقات

الرباط: إستثمار

في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى ترسيخ مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، تأتي استقالة إفراسن لتفكك واحدًا من أكثر ملفات التدبير المحلي غموضًا وحساسية. لم تكن مغادرته للولاية مجرد انتقال وظيفي، بل لحظة فارقة كشفت عن صراع نفوذ وتباين في الرؤى حول تدبير المشاريع العمومية بالعاصمة. بين مسار إداري وازن وتقلده مناصب استراتيجية داخل صندوق الإيداع والتدبير، وبين انسحاب احتجاجي من شركة عمومية بعد مشادات مع الوالي اليعقوبي، يرسم إفراسن ملامح مواجهة صامتة لكنها شديدة الرمزية، أعادت طرح الأسئلة الكبرى حول من يُدبّر ومن يُحاسب، ومن يملك القرار في مشاريع تُموّل من المال العام.

في سيرة مهنية وُصفت بالمتألقة، تَقلّد إفراسن سلسلة من المناصب الهامة التي جعلت منه واحدًا من الأطر الإدارية المرموقة في دواليب الدولة. بعد مغادرته المفاجئة لمؤسسة ولاية الرباط، لم ينزح إفراسن إلى الظل كما كان متوقعًا، بل عاد بسرعة إلى الواجهة عبر تعيينه في مناصب حساسة داخل صندوق الإيداع والتدبير (CDG)، وهو ما اعتُبر حينها تأكيدًا على الثقة التي ما تزال تحظى بها كفاءته داخل دوائر القرار، رغم “الضجة” التي رافقت خروجه من الولاية.

غير أن استقالته السابقة من منصبه كرئيس لإحدى الشركات الكبرى المكلفة بتدبير مشاريع العاصمة لم تكن مجرد خطوة إدارية، بل كانت فعلًا احتجاجيًا مشحونًا بالرسائل، كشف من خلاله عن حجم التوتر الذي كان سائداً بينه وبين الوالي محمد اليعقوبي. هذا التوتر، الذي بلغ ذروته في مشادة كلامية ساخنة، لم يكن معزولًا، بل جاء تتويجًا لخلافات متراكمة حول طريقة تدبير الوالي للملفات الكبرى، واعتماده أسلوبًا يوصف بالسلطوي والانفرادي، ما ولّد حالة احتقان واسعة شملت فاعلين مؤسساتيين وموظفين سامين وحتى بعض رجال السلطة داخل الولاية.

استقالة إفراسن لم تمر مرور الكرام، بل كانت الشرارة التي أخرجت إلى العلن جملة من التساؤلات المحرجة حول طريقة تدبير عدد من الصفقات التي ظلت محاطة بالكتمان من بين هذه الملفات، برزت صفقات إنجاز الطرق والمساحات الخضراء، ومشروع “المضلة الحديدية” الذي كلف ما يقارب 5 مليارات سنتيم، وأثار جدلاً واسعاً بسبب شكله المثير للانتقاد ونتيجته التي شَوَّهت معالم ساحة مولاي الحسن، بدل أن تضيف لها قيمة عمرانية.

وقد غذّت هذه الوقائع خطابًا عامًّا متصاعدًا يُندد بما يُعتبر “محاباة” في منح الصفقات واحتكارًا للمعلومة من قبل الولاية، وسط مطالب متزايدة بإعادة فتح هذه الملفات وربط المسؤولية بالمحاسبة في المقابل، يتساءل مراقبون: هل كان إفراسن ضحية لصدام شخصي أم شاهدًا على ممارسات بنيوية تعكس اختلالات أعمق في منظومة تدبير المشاريع العمومية؟

الأكيد أن استقالته لم تكن حدثًا عابرًا بل محطة مفصلية سلطت الضوء على الوجه الخفي لتدبير الشأن المحلي، وعلى الحاجة إلى مراجعة النموذج الحالي الذي يركز السلطة دون ضمانات كافية للمراقبة والمساءلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى