ساعة أوروبا أم نبض المغاربة: مفاضلة التوقيت بين المكسب الاقتصادي والكلفة الاجتماعية

الرباط: إستثمار

لم يعد اعتماد توقيت GMT+1 في المغرب مجرد إجراء إداري لضبط عقارب الساعة، بل تحول إلى خيار استراتيجي يختبر قدرة الدولة على التوفيق بين رهانات الاندماج الاقتصادي ومتطلبات التماسك الاجتماعي. ففي ورقة تحليلية صادرة عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، جرى تفكيك هذا الخيار من زاوية نقدية تعتبر أن السياسة الزمنية المعتمدة تفرض تكاليف استراتيجية موثّقة على الصحة العامة والسلامة الطرقية والعدالة المجالية، مقابل مكسب تكتيكي يتمثل في تعزيز التزامن الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي.

الورقة لا تنكر أن تقليص الفارق الزمني مع أوروبا يمنح الفاعلين الاقتصاديين، خاصة في قطاعات التصدير والخدمات العابرة للحدود، هامش تداخل زمني أكبر مع الأسواق القارية، وهو ما قد يسهل المعاملات والتواصل ويرفع منسوب التنافسية الظرفية. غير أن هذا المكسب، وفق التحليل ذاته، يظل جزئيا ومحصورا في قطاعات محددة، ولا يرقى إلى مستوى مبرر كافٍ لتحمل كلفة اجتماعية وصحية ممتدة على عموم السكان.

أحد أبرز أوجه النقد يتمثل في غياب دليل حاسم على تحقيق وفورات معتبرة في استهلاك الطاقة أو تحسين الإنتاجية الإجمالية للاقتصاد الوطني. فالحجة الطاقية، التي غالبا ما تُستدعى لتبرير الإبقاء على التوقيت الصيفي طيلة السنة، تبدو – بحسب الورقة – غير مدعومة بمعطيات قاطعة تثبت أثرًا صافيا ومستدامًا. كما أن ربط الإنتاجية بتغيير الساعة يختزل مسألة معقدة في متغير تقني واحد، متجاهلًا عوامل بنيوية أعمق تتعلق بجودة التنظيم، والنجاعة الإدارية، وظروف العمل.

الأهم من ذلك أن النقاش حول التوقيت، كما تخلص الورقة، ليس تقنيا محضا بل سياسي بامتياز. فالمفاضلة الحقيقية لا تدور بين ساعتين مختلفتين، بل بين تصورين للتنمية: تصور يمنح الأولوية لرهانات الاندماج الخارجي ولو على حساب إيقاع الحياة اليومية، وتصور يضع الصحة والرفاه العام في قلب السياسات العمومية.

الإبقاء على GMT+1، خصوصا خلال الفترات الشتوية، يرتبط بآثار محتملة على الإيقاع البيولوجي للسكان، وعلى جودة النوم والتركيز، وعلى السلامة الطرقية في ساعات الصباح الباكر، وهي عناصر لا يمكن اختزالها في معادلة حسابية بسيطة.

كما يثير الموضوع إشكالية العدالة المجالية، إذ إن آثار الظلام الصباحي الطويل لا تتوزع بشكل متساوٍ بين الحواضر الكبرى والمناطق القروية أو الجبلية، حيث ترتبط أنماط العيش والعمل أكثر بالضوء الطبيعي. بذلك يتحول خيار يبدو موحدا على المستوى الوطني إلى سياسة ذات آثار متفاوتة اجتماعيا ومجاليا.

في المحصلة، تضع الورقة صناع القرار أمام سؤال جوهري: هل يكفي مكسب التداخل الزمني مع أوروبا لتبرير كلفة اجتماعية وصحية غير محسومة النتائج؟ إن الإشكال لا يتعلق بساعة إضافية أو ناقصة، بل بنموذج لاتخاذ القرار العمومي: هل يُبنى على مقاربة تشاركية تُوازن بين المصالح الاقتصادية والرفاه المجتمعي، أم يُحسم بمنطق الضرورات الاقتصادية وحدها؟ الجدل حول GMT+1 يكشف أن الزمن، في السياسة، ليس مجرد قياس للدقائق، بل مرآة لأولويات الدولة واختياراتها الاستراتيجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى