فيضانات آسفي: مأساة تتكرر وأسئلة مُلحّة حول الجاهزية والمسؤولية

آسفي: إستثمار

رغم تواصل عمليات الإنقاذ والتعبئة الميدانية، ارتفعت حصيلة ضحايا الفيضانات التي ضربت إقليم آسفي إلى 14 وفاة، في مشهد يعيد إلى الواجهة إشكالية التدبير الاستباقي للمخاطر الطبيعية وحدود الجاهزية المحلية أمام الظواهر المناخية القصوى. فالتساقطات الرعدية القوية التي شهدتها المنطقة، خلال أقل من ساعة، تحولت إلى تدفقات فيضانية جارفة خلّفت خسائر بشرية ومادية جسيمة، وعرّت هشاشة البنية التحتية، خصوصاً في النسيج العمراني العتيق.

وبحسب المعطيات الرسمية، جرى إسعاف 32 مصاباً، غادر معظمهم المستشفى بعد تلقي العلاجات الضرورية، فيما لا تزال بعض الحالات تحت المراقبة الطبية. في المقابل، تتواصل عمليات البحث عن مفقودين محتملين، وسط تعبئة شاملة للسلطات العمومية ومختلف المتدخلين لتأمين المناطق المتضررة وتقديم الدعم للساكنة. غير أن هذا الجهد، على أهميته، يظل إجراءً لاحقاً لكارثة كان من الممكن تقليص آثارها لو توفرت مقاربات وقائية أكثر نجاعة.

ميدانياً، كشفت الفيضانات عن اختلالات بنيوية في تصريف مياه الأمطار، إذ غمرت المياه قرابة 70 منزلاً ومحلاً تجارياً بالمدينة القديمة، خاصة بشارع بئر أنزران وساحة أبو الذهب، وهي مناطق معروفة بقابليتها العالية للغمر. كما جرفت السيول حوالي 10 سيارات، وتضرر المقطع الطرقي الرابط بين آسفي ومركز جماعة احرارة على الطريق الإقليمية 2300، ما أدى إلى شلل مروري في عدة محاور، وأبرز هشاشة الشبكة الطرقية أمام الضغط المناخي المفاجئ.

الواقعة، بما تحمله من أرقام ثقيلة، لا يمكن اختزالها في “حادث طبيعي عابر”. فهي تطرح أسئلة نقدية حول نجاعة منظومات الإنذار المبكر، ومدى احترام تصاميم التهيئة لمخاطر الفيضانات، وتداخل المسؤوليات بين التخطيط الحضري وصيانة البنيات التحتية وتدبير المجاري المائية. كما تعيد النقاش حول المدن العتيقة التي تُركت لعقود دون تأهيل وقائي حقيقي، رغم تكرار سيناريوهات الغمر.

إن استمرار الإنقاذ لا ينبغي أن يُنسي جوهر المشكلة: الكلفة البشرية للتأخر في الوقاية أعلى بكثير من كلفة الاستثمار الاستباقي. وآسفي اليوم ليست استثناءً، بل نموذجاً مقلقاً لمدن تواجه تغيّراً مناخياً أسرع من وتيرة الإصلاح. وبينما تتعالى أصوات التضامن، يبقى الرهان الحقيقي هو تحويل المأساة إلى نقطة انعطاف تُفضي إلى سياسات حضرية أكثر صرامة، وحكامة محلية تُقدّم السلامة العامة على منطق ردّ الفعل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى