بين امتحان الشارع واستحقاق الصناديق.. مجلس وزاري حاسم يرسم ملامح “المنعطف الأخير” لحكومة أخنوش

الرباط: إدريس بنمسعود

يترقب المشهد السياسي المغربي نهاية الأسبوع الجاري انعقاد مجلس وزاري برئاسة الملك محمد السادس، للتداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2026، في ظرفية دقيقة تحمل أكثر من دلالة. فالاجتماع لا يقتصر على بعده الدستوري أو التقني، بل يكتسي طابعًا سياسيًا وتحوليًا بالنظر إلى كونه آخر قانون مالي في ولاية حكومة عزيز أخنوش، قبل سنة واحدة من الاستحقاقات التشريعية المنتظرة سنة 2026.

هذا الحدث يضع الحكومة أمام محطة مفصلية، تشبه إلى حد كبير لحظات “التقييم السياسي”، التي تسبق عادة نهاية الولاية الحكومية، وتكشف مدى قدرتها على الوفاء بوعودها الانتخابية ومواجهة الضغوط الاجتماعية المتنامية.

وفق الفصل 49 من دستور 2011، يُعقد المجلس الوزاري تحت رئاسة الملك للتداول في القضايا الكبرى للدولة، وعلى رأسها التوجهات العامة لمشروع قانون المالية.

إلا أن الرمزية السياسية لهذا المجلس هذه المرة تتجاوز الجانب البروتوكولي؛ إذ يُتوقع أن يشكل مناسبة لتقييم خيارات الحكومة الاقتصادية والاجتماعية في ضوء ما عرفه المغرب مؤخرًا من احتجاجات شبابية غير مسبوقة، عبّرت عن مطالب حقيقية تتعلق بالعدالة الاجتماعية، التشغيل، والتعليم والصحة.

فبينما يُفترض أن يُعبر مشروع قانون مالية 2026 عن رؤية الحكومة للعام الأخير من ولايتها، يُنظر إليه أيضًا كـ اختبار سياسي لقدرتها على استيعاب الرسائل الملكية والشارع في آن واحد.

من خلال قراءة متأنية للظرفية، يمكن القول إن الحكومة الحالية تجد نفسها أمام مفترق طريقين:

منطق الاستمرارية الذي يعني الدفاع عن حصيلة السنوات الماضية، ومواصلة نفس البرامج المعلنة مثل تعميم التغطية الصحية وتفعيل الدعم المباشر للأسر، واستكمال ورش الدولة الاجتماعية.

ومنطق التصحيح الذي يفرض نفسه في ظل تصاعد المطالب الاجتماعية وتراجع منسوب الثقة في العمل السياسي، وهو ما عبّر عنه بوضوح الملك محمد السادس في خطابه أمام البرلمان حين دعا إلى توجيه التنمية نحو المناطق الهشة والجبلية، وإعادة التوازن في السياسات العمومية.

بين هذين المنطقين، يظهر أن مشروع قانون مالية 2026 سيكون بمثابة الامتحان العملي لمدى قدرة الحكومة على الانتقال من التدبير المالي إلى الإصلاح الاجتماعي، ومن لغة الأرقام إلى لغة الإنصاف الترابي.

إذا كان الخطاب الملكي الأخير قد ركز على إنصاف المناطق الجبلية والواحات والسواحل، وتوسيع نطاق المراكز القروية باعتبارها محركًا للتنمية المندمجة، فإن الشارع المغربي، عبر حركاته الاحتجاجية الأخيرة، ركز على العدالة الاجتماعية والكرامة وتحسين المعيشة.

ورغم اختلاف السياقين، فإن نقطة الالتقاء واضحة: الحاجة إلى نموذج تنموي فعّال يعيد الثقة بين المواطن والدولة.
ففي الوقت الذي تضع فيه المؤسسة الملكية بوصلة التنمية في اتجاه “المجالات المنسية”، تُطالب الفئات الشبابية بإعادة توزيع الثروة والفرص بشكل أكثر عدلاً.

هنا تبرز المقارنة الجوهرية بين المنظور الاستراتيجي للدولة والضغط الشعبي الآني، وهما عاملان يتقاطعان في رسم ملامح السياسة المالية القادمة.

ما يضفي مزيدًا من الحساسية على المجلس الوزاري المرتقب هو اقترابه من الزمن الانتخابي لسنة 2026، حيث تسعى الحكومة إلى إقناع الرأي العام بجدوى اختياراتها، في وقت تحاول المعارضة تقديم نفسها كبديل اجتماعي قادر على الاستجابة لمطالب الشارع.

وفي هذا السياق لن يكون النقاش حول مشروع قانون المالية مجرد مسألة أرقام، بل رهانًا سياسيًا حقيقيًا على من يملك رؤية أوضح لمستقبل البلاد، ومن يستطيع ترجمة التوجيهات الملكية إلى سياسات ملموسة يشعر بها المواطن فيه حياته اليومية.

يمكن القول إن المجلس الوزاري المقبل لن يكون مجرد محطة دستورية عادية، بل جلسة تقييم وطنية كبرى لمرحلة كاملة من التدبير الحكومي.

فهو من جهة يمتحن التزام الحكومة بروح الخطاب الملكي، ومن جهة أخرى يكشف مدى تفاعلها مع نبض الشارع المغربي.

> بين منطق “الاستمرارية” ومنطق “الاستجابة”، وبين لغة الأرقام ولغة الإنصاف، يقف مشروع قانون مالية 2026 كمرآة لواقع حكومة بلغت المنعطف الأخير من ولايتها، وتستعد لاختبار صناديق الاقتراع على وقع رسائل القصر ونبض الشارع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى