الرباط في «الزاوية الرمادية» للمدن الذكية: أزمة سكن تجهض أحلام التحول الرقمي

الرباط: إستثمار

رغم الخطابات الطموحة والشعارات الرنانة التي رفعتها مشاريع الرقمنة في الرباط، جاءت نتائج مؤشر المدن الذكية لعام 2025 صادمة: العاصمة المغربية تراجعت إلى المرتبة 123 من أصل 146 مدينة شملها التصنيف العالمي الصادر عن مركز التنافسية العالمية “آي إم دي”، مما يضعها في خانة المدن التي لا تزال تراوح مكانها في عصر المدن الذكية.

أزمة السكن.. العثرة الكبرى في طريق التحول الرقمي

يكشف التقرير الذي يعتمد بشكل أساسي على تقييمات السكان المحليين، أن الرباط تعاني من اختلالات عميقة، ليس فقط على مستوى البنية التحتية أو الرقمنة، بل في قلب حاجيات العيش الأساسية، وعلى رأسها السكن الميسر.
فقد أبدى 38.1% من المستجوبين قلقاً بالغاً بشأن غلاء السكن، وهو معدل تجاوز القلق من التعليم والأمن، مؤشراً على أن مشروع “المدينة الذكية” يظل بلا جدوى حين تعجز شرائح واسعة عن ضمان حقها الأساسي في السكن الكريم.

الأرقام المقدمة تكشف أن الرباط على الرغم من توفرها على خدمات صحة ومواصلات مقبولة، لا تزال تعاني من فجوة واسعة في الثقة بين المواطنين والمؤسسات، كما أن منصات المشاركة المواطنة والشفافية لم ترتقِ بعد إلى مستوى الطموحات، مما يحدّ من تفعيل الديمقراطية الرقمية التي تشكل إحدى دعائم المدن الذكية الحقيقية.

التقنية وحدها لا تصنع مدينة ذكية

التقرير يسلط الضوء أيضا على مفارقة خطيرة: الاستثمار في التكنولوجيا لم ينعكس على تحسين جودة الحياة بشكل ملموس. فبينما تراهن الرباط على رقمنة الإدارة والخدمات، تغيب استراتيجية واضحة لربط الرقمنة بسياسات اجتماعية عادلة، وفي مقدمتها الحق في السكن، النقل المستدام، والحكامة الجيدة.

وبالمقارنة مع مدن مثل دبي وأبوظبي اللتين حلّتا ضمن المراتب الخمسة الأولى عالميا، يبدو جليا أن الفرق لا يكمن في حجم الاستثمارات التقنية فحسب، بل في كيفية إدماج التكنولوجيا لخدمة احتياجات المواطنين اليومية عبر سياسات شاملة ومندمجة.

بين واقع رمادي وآمال معلقة

معطيات التقرير تبرز بعض المؤشرات الإيجابية، مثل استعداد 59.3% من سكان الرباط للتخلي عن جزء من بياناتهم إذا ساهم ذلك في تحسين إدارة المدينة، واعتبار 72.5% أن توفر المعلومات عبر الإنترنت عزز ثقتهم بالسلطات إلا أن هذه المؤشرات، رغم دلالتها الإيجابية، تظل محدودة في ظل غياب رؤية حضرية متكاملة قادرة على تحويل الثقة إلى مشاركة فاعلة وتحسين ملموس في جودة العيش.

الحاجة إلى قطيعة مع “الزينة الرقمية”

تؤكد نتائج هذا التصنيف العالمي أن الرباط بحاجة إلى مراجعة جذرية لنموذجها الحضري، بعيدا عن المقاربات التجميلية التي تكتفي بإطلاق تطبيقات رقمية دون معالجة الاختلالات العميقة في السكن، النقل، والحكامة.

التحول إلى مدينة ذكية لا يعني فقط استخدام التكنولوجيا بل يعني قبل كل شيء بناء مدينة عادلة اجتماعياً، شاملة بيئياً، وشفافة سياسياً.
من دون ذلك ستظل الرباط حبيسة “الزاوية الرمادية” للمدن الذكية، تراهن على المستقبل بعناوين كبيرة، بينما يغيب الأساس: الإنسان والمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى