
” قراءة في مضامين الخطاب الملكي الموجه لأعضاء البرلمان المغربي . “

الحسن لحويدك
رئيس جمعية الوحدة الترابية
بجهة الداخلة وادي الذهب .
انطلاقا من القصر الملكي بالرباط، وجه جلالة الملك خطابا لأعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية العاشرة معلنا جلالته عن افتتاح هذه السنة التشريعية، في ظروف استثنائية، وبصيغة مختلفة التي هي مليئة بالتحديات، خاصة في ظل آثار الأزمة الصحية، التي يعرفها المغرب والعالم.
وفي هذا السياق يؤكد جلالة الملك ان الأهم هو التحلي باليقظة والالتزام للحفاظ على صحة وسلامة المواطنين ومواصلة دعم القطاع الصحي ، موازاة مع العمل على تنشيط الاقتصاد وتقوية الحماية الاجتماعية ، خاصة أن هذه الأزمة أبانت عن مجموعة من الاختلالات ومظاهر العجز، إضافة إلى تأثيرها السلبي على الاقتصاد الوطني والتشغيل.
لذلك ومن اجل ذلك، أطلق جلالته خطة طموحة لإنعاش الاقتصاد ومشروعا كبيرا لتعميم التغطية الاجتماعية.
وفي هذا الإطار اكد جلالته على اعتماد مبادئ الحكامة الجيدة وإصلاح مؤسسات القطاع العام بوضع خطة إنعاش الاقتصاد في مقدمة أسبقيات هذه المرحلة .
وقد ابرز جلالة الملك في هذا الصدد الجهود المبذولة لدعم المقاولات، من خلال آلية القروض المضمونة من طرف الدولة، فقد استفاد منها، إلى حدود الآن، ما يزيد عن 20 ألف مقاولة مغربية، بما يقارب 26 مليارا و100 مليون درهم ، لذلك يشدد جلالته على انه ينبغي مواصلة الجهود في هذا المجال، سواء من طرف القطاع البنكي، وصندوق الضمان المركزي، أو من جانب المقاولات وجمعياتها المهنية.
ولكسب هذا الرهان ، ترتكز خطة صاحب الجلالة على إنعاش الاقتصاد على صندوق الاستثمار الاستراتيجي الذي دعونا لإحداثه . وقد قررنا أن نطلق عليه إسم “صندوق محمد السادس للاستثمار ” ؛ لتوفير الظروف الملائمة لقيام هذا الصندوق بمهامه، على الوجه الأمثل، الذي وجه جلالته بأن يتم تخويله الشخصية المعنوية، وتمكينه من هيآت التدبير الملائمة، وأن يكون نموذجا من حيث الحكامة والنجاعة والشفافية ، وسيرتكز في تدخلاته على صناديق قطاعية متخصصة، تابعة له، حسب المجالات ذات الأولوية، التي تقتضيها كل مرحلة، وحسب حاجيات كل قطاع .
ومن بين هذه المجالات، يذكر جلالته إعادة هيكلة الصناعة، والابتكار والقطاعات الواعدة، والمقاولات الصغرى والمتوسطة، والبنيات التحتية، والفلاحة والسياحة.
وفي إطار المشروع الملكي الكبير الذي يشكل عملية تعبئة مليون هكتار، من الأراضي الفلاحية الجماعية، لفائدة المستثمرين وذوي الحقوق، رافعة أساسية ضمن هذه الاستراتيجية ، يقدر جلالته حجم الاستثمارات المنتظرة ، بما يقارب 38 مليار درهم، على المدى المتوسط ، وهو ما سيمكن من خلق قيمة مضافة، لتمثل حوالي نقطتين إضافيتين سنويا، من الناتج الداخلي الخام، وإحداث عدد هام من مناصب الشغل، خلال السنوات القادمة.
لذا، يشدد جلالة الملك على وجوب تعزيز التنسيق والتعاون بين القطاعات المعنية، مع العمل على تحفيز الشباب في العالم القروي، عن طريق خلق المقاولات، ودعم التكوين، لاسيما في المهن والخدمات المرتبطة بالفلاحة.
وفي هذا المجال ، يؤكد جلالة الملك على الأهمية التي يجب أن تعطى للفلاحة والتنمية القروية، ضمن عملية الإنعاش الاقتصادي. ففي الظروف الحالية، يتعين دعم صمود هذا القطاع الوازن، وتسريع تنفيذ جميع البرامج الفلاحية التي مافتئ يحرص دائما جلالته على تلازم تحقيق التنمية الاقتصادية، بالنهوض بالمجال الاجتماعي، وتحسين ظروف عيش المواطنين. لذلك، يدعو جلالة الملك لتعميم التغطية الاجتماعية لجميع المغاربة.
وعلى هذا الأساس يرتكز هذا المشروع الوطني الكبير والغير مسبوق، على أربعة مكونات أساسية:
أولا، تعميم التغطية الصحية الاجبارية، في أجل أقصاه نهاية 2022، لصالح 22 مليون مستفيد إضافي من التأمين الأساسي على المرض، سواء ما يتعلق بمصاريف التطبيب والدواء، أو الاستشفاء والعلاج ، وهو ما سيساهم في تحفيز الاستثمار والتشغيل، وتثمين الإنتاج الفلاحي الوطني، وتسهيل الاندماج المهني بالعالم القروي، وفقا للاستراتيجية الفلاحية الجديدة .
ثانيا: تعميم التعويضات العائلية، لتشمل ما يقارب سبعة ملايين طفل في سن الدراسة، تستفيد منها ثلاثة ملايين أسرة.
ثالثا: توسيع الانخراط في نظام التقاعد، لحوالي خمسة ملايين من المغاربة، الذين يمارسون عملا، ولا يستفيدون من معاش.
رابعا: تعميم الاستفادة من التأمين على التعويض على فقدان الشغل، بالنسبة للمغاربة الذين يتوفرون على عمل قار.
ولتحقيق ذلك يؤكد جلالة الملك على أن نجاح أي خطة أو مشروع، مهما كانت أهدافه، يبقى رهينا باعتماد مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة ،ويجب أن تعطي مؤسسات الدولة والمقاولات العمومية، المثال في هذا المجال، وأن تكون رافعة للتنمية، وليس عائقا لها .
ولهذه الغاية، يدعو جلالته للتشاور الواسع، مع جميع الشركاء، واعتماد قيادة مبتكرة وناجعة لهذا المشروع المجتمعي، في أفق إحداث هيأة موحدة للتنسيق والإشراف، على أنظمة الحماية الاجتماعية ، نظرا للأهمية الاستراتيجية لهذه المؤسسات، فإننا نجدد الدعوة للقيام بمراجعة جوهرية ومتوازنة لهذا القطاع ،كما يتطلع جلالة الملك للدور الهام، الذي ستقوم به، في هذا المجال، الوكالة التي ستشرف على مساهمات الدولة، وتتبع أدائها.
وفي هذا الإطار يؤكد صاحب الجلالة على أن نجاح خطة الإنعاش الاقتصادي، والتأسيس لعقد اجتماعي جديد، يقتضي تغييرا حقيقيا في العقليات، وفي مستوى أداء المؤسسات العمومية.
ولأجل ذلك ، وجه جلالة الملك بأن ترصد له 15 مليار درهم من ميزانية الدولة بما يشكل حافزا للشركاء المغاربة والدوليين، لمواكبة تدخلاته والمساهمة في المشاريع الاستثمارية
ولتنفيذ هذه الغاية، يدعو جلالة الملك الحكومة للقيام بمراجعة عميقة لمعايير ومساطر التعيين، في المناصب العليا، بما يحفز الكفاءات الوطنية، على الانخراط في الوظيفة العمومية، وجعلها أكثر جاذبية.
وبمناسبة هذا الموعد الدستوري الهام، يغتنم جلالة الملك التاكيد لدعوة كل المؤسسات والفعاليات الوطنية، وفي مقدمتها البرلمان، للارتقاء إلى مستوى تحديات هذه المرحلة، وتطلعات المواطنين ، مذكرا جلالته على ان مواجهة هذه الأزمة غير المسبوقة تتطلب تعبئة وطنية شاملة وتضافر جهود الجميع لرفع تحدياتها.
وفي هذا المضمار ، يؤكد صاحب الجلالة على ان المسؤولية مشتركة، والنجاح إما أن يكون جماعيا، لصالح الوطن والمواطنين، أو لا يكون وبان جلالته واثق بأننا سنرفع جميعا هذا التحدي، في إطار الوحدة الوطنية، والتضامن الاجتماعي.
ومن خلال ما ورد في مضامين الخطاب الملكي ، يستنتج أن المغرب عاقد العزم بقيادة جلالة الملك على تحويل ازمة جائحة كورونا كوفيد -19، إلى نقطة إقلاع اقتصادي ، بالاعتماد على مجموعة من الديناميات الاستثمارية لتحقيق النموذج التنموي المنشود للنهوض ، آلياتها التنمية القروية والفلاحية ، والمقاولات الصغرى والمتوسطة ، وهيكلة الاقتصاد الغير مهيكل إلى إقتصادي منتج ومهيكل ، بهدف خلق الثروة وتوزيعها بالارتكاز على التوافقات المجتمعية ، ومنظومة الحكامة التي تبقى الرافعة الاساسية التي يجب ان تنخرط فيها كل مكونات الشعب المغربي وقواه الحية ، في إطار من التعبئة الشاملة ، لبلوغ هذا الطموح الوطني الكبير ( لاننا كلنا في مركب واحد ) من ناحية تحمل الواجبات بكل وطنية ومسؤولية.
لذلك جاء الخطاب الملكي ، في هذه اللحظة التاريخية الدقيقة والحاسمة التي تمر بها بلادنا غلى غرار باقي بلدان المعمور ، في عز هذه الجائحة العالمية ، ليؤكد جلالة الملك على ان التضامن الوطني الاجتماعي هو أساس المرحلة المقبلة.
وعموما رسم الخطاب الملكي السامي خارطة طريق لمعالم المرحلة المقبلة ما بعد ازمة جائحة كورونا ، والتي ينبغي الاستعداد لها لمواجهة تداعياتها وإكراهتها وتحدياتها ، واستغلالها كنقطة تحول حاسمة ، إن على مستوى مواكبة النسيج الاقتصادي الوطني لتجواز آثار الازمة من اجل الولوج إلى تنفيذ إجراءات النموذج التنموي المرتقب إنزاله قريبا ، او على المستوى الاجتماعي بتعميم التغطية الاجتماعية والحماية الاجتماعية التي اضحت شرطا أساسيا ، ضروريا وحاسما ليتسفيد منها الملايين من المغاربة وتمكينهم في إطار التساوي بين كل فئات المجتمع ، من حقوقهم المواطنة الكاملة ، مما سيساعد على تحقيق التماسك الاجتماعي ، و كذلك فيما يتعلق باستكمال مواصلة تنفيذ المشاريع الاقتصادية و البرامج الفلاحية لتحقيق المزيد من فرص ومناصب الشغل.
إجراءات فعلية من شأنها إرساء التوازنات الاقتصادية المتكاملة وحماية وإنعاش المقاولات الصغرى و المتوسطة.
وعلى هذا الأساس اعلن جلالة الملك عن إحداث ” صندوق محمد السادس للاستثمار ”
وبذلك يكون الخطاب الملكي السامي قد رسم الرؤية الاستراتيجية الوطنية المتكاملة الابعاد ، الشاملة الاهداف نحو إقلاع إقتصادي واجتماعي لكسب رهان التنمية المستدامة في إطار الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي.
ولتحقيق هذا المشروع الوطني الإصلاحي الكبير ، لا بد من مواكبته بمنظومة حكامة حقيقية توازي بين الحقوق والواجبات على حد سواء ، بشكل تعبوي متلاحم بين كل مكونات المجتمع وقواه الحية ، وهو ما من شأنه تحقيق عدالة اجتماعية ومجالية.
وبناء على ما سبق ، وللتغلب على تحديات هذه القضايا الوطنية المصيرية المشتركة ، وكسب رهاناتها، تتطلب المرحلة المقبلة اللاتفاف حول عقد اجتماعي وطني جديد ، شعاره الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة وتغيير واقعي في السلوكيات والعقليات .





