
صفقات عمومية متعثرة تكشف فوضى قانونية وتضارب المصالح بين الدولة والبنوك

الرباط: ريم بنكرة
في مشهد يعكس اختلالًا بنيويًا في تدبير منظومة الصفقات العمومية بالمغرب، دخلت المفتشية العامة للمالية على خط أزمة متفاقمة بعد سحب مفاجئ للضمانات البنكية من مشاريع أشغال كبرى، مما أدى إلى شلل مالي وإداري عطّل إنجازات كانت تُحسب ضمن رهانات الاستثمار العمومي.
التحقيقات التي باشرتها المفتشية كشفت عن سلسلة من القرارات المثيرة للجدل من قبل بعض المؤسسات البنكية، التي عمدت إلى سحب ضمانات نهائية دون الحصول على شهادة “رفع اليد” من الإدارات المعنية، في خرق صريح للمساطر القانونية. هذا الانسحاب المفاجئ لم يُربك فقط المقاولات المنفذة، بل فجّر نزاعات محتدمة بينها وبين إدارات عمومية رفضت تعويض تلك الضمانات بأخرى جديدة، متمسكة بمقتضيات صارمة يُفهم منها أنها تُطبق بقراءة ضيقة للمادة 15 من دفتر الشروط الإدارية العامة.
تناقض بين النص والتأويل
في قلب هذا الإشكال، يكمن التوتر بين منطق “حماية المال العام” ومنطق “النجاعة الاقتصادية”. الإدارات العمومية تتمترس خلف تأويل قانوني صارم يمنع قبول أي ضمان بديل خارج الأجل المحدد، بينما تجد المقاولات نفسها محاصرة بأعباء تعاقدية وتمويلية تُهدد استمراريتها، في ظل بيئة قانونية رمادية لا تحتمل التأويل المتباين.
محاضر التحقيق أكدت أن بعض الإدارات تتعاطى مع المادة 15 بشكل انتقائي، دون مراعاة الطوارئ أو المستجدات التي قد تفرضها الدينامية الاقتصادية أو تعثرات خارجة عن إرادة الأطراف. وفي المقابل، تم تحميل بعض المؤسسات البنكية مسؤولية مباشرة في هذا التعطيل، بسبب اتخاذ قرارات أحادية دون استيفاء الشروط القانونية، وهو ما يدل على غياب إطار تعاقدي مضبوط يربط بين الدولة والقطاع البنكي في هذا الباب.
عقود مشروطة بثغرات التأويل
تُعيد هذه الأزمة إلى الواجهة سؤال الحماية القانونية للضمانات البنكية، ومدى وضوح النصوص المنظمة لها. فبين تأويل فضفاض للفقرة الثانية من المادة 75 من دفتر الشروط الإدارية العامة، واستعمالها لاحتجاز الضمانات حتى في غياب عيوب تقنية مثبتة، تضيع حقوق المقاولات وتُشل حركة المقاولين.
والأخطر من ذلك أن بعض الإدارات تواصل تفعيل آليات الحجز والتجميد بدعوى “الاحتياط”، ما يفتح المجال أمام شطط إداري يستنزف طاقة المقاولات، ويقوّض الثقة المفترضة في نظام تعاقدي يُفترض أنه عقلاني وشفاف.
منطق المساطر أم منطق النتائج؟
المفارقة الصارخة في هذا الملف تكمن في تغليب منطق الشكل القانوني على مضمون النجاعة الاقتصادية. فالإصرار على رفض ضمانات بديلة، رغم شرعيتها من الناحية البنكية، يكشف غياب مرونة مؤسساتية تعيق تدارك الأزمات وتجمّد الأموال العمومية المرتبطة بالمشاريع المعطلة.
ومع تفاقم النزاعات القضائية بين المقاولات والإدارات، تبدو حاجة الدولة إلى إصلاح جذري أكثر من ملحة. إصلاح يُعيد ضبط العلاقة الثلاثية بين البنك، المقاولة، والإدارة، عبر قانون واضح وملزم يحد من هوامش التأويل، ويضمن التوازن بين حماية المال العام وعدم خنق الاستثمار.
ما يحدث اليوم في كواليس المشاريع العمومية ليس مجرد نزاع تقني حول آجال أو ضمانات، بل هو تعبير عن خلل هيكلي في منظومة التعاقد العمومي، وغياب رؤية إصلاحية شاملة تضع ثقة المتعاملين، والمصلحة العامة، فوق صراعات التأويل والانغلاق البيروقراطي.
إن أي تأخير في معالجة هذه الثغرات سيؤدي لا محالة إلى مزيد من فقدان الثقة في مناخ الأعمال، وتعميق هوة الشك بين الدولة والمستثمرين، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل مقومات الفعالية والشفافية للنهوض بتنميتها.





