
استثمار “سيلدا” بين منطق التوسّع ورهان السيادة الغذائية بجهة سوس
آكادير: إستثمار
في سياق يتسم بتزايد الضغوط على سلاسل الإمداد الغذائية وتقلبات الأسواق الدولية، جاءت الزيارة الميدانية التي قام بها رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة، إلى الوحدة الصناعية لشركة صناعة الحليب ومشتقاته بأكادير (سيلدا) بمدينة أيت ملول، لتكشف عن نموذج صناعي محلي يسعى إلى التكيّف مع هذه التحولات عبر الاستثمار والتحديث بدل الاكتفاء بمنطق الاستمرارية.
فالاستثمارات التي أنجزتها الشركة خلال سنتي 2024 و2025، والبالغة 200 مليون درهم، لا تندرج فقط ضمن توسيع الطاقة الإنتاجية، بل تعكس توجها استراتيجيا يروم تعزيز القدرة التنافسية وربطها مباشرة بمفهوم السيادة الغذائية.
المقارنة بين وضعية الشركة عند انطلاقها سنة 2001 ووضعها الحالي تُبرز حجم التحول الذي عرفته. فمن وحدة صناعية محدودة الإمكانيات، أصبحت “سيلدا” اليوم فاعلا محوريا بطاقة إنتاجية تصل إلى 300 طن يوميا، وبمنظومة لوجستيكية متكاملة تشمل منصات للتخزين المبرّد وتخزين المواد الأولية، إلى جانب مختبرات حديثة تضاهي المعايير المعتمدة لدى كبار الفاعلين في القطاع. هذا التطور يعكس انتقالا من منطق الإنتاج التقليدي إلى نموذج صناعي قائم على الجودة، المراقبة الصارمة، والقدرة على تنويع العرض، وهو ما يتجسد في تشكيلة تضم 72 صنفا من منتجات الألبان والمشروبات.
وعند مقارنة هذه الدينامية بما تعرفه بعض الوحدات الصناعية الأخرى التي ما تزال تعاني من ضعف التحديث أو محدودية الاستثمار، يتضح أن رهان “سيلدا” على الأتمتة وتوسعة خط المعالجة فائقة الحرارة يمنحها هامشا أوسع للصمود أمام المنافسة، سواء داخل السوق الوطنية أو على مستوى التوسع الجغرافي. كما أن شبكة تجميع الحليب التي تضم 110 مراكز وتخدم أزيد من 15 ألف مربي ماشية، تمثل عنصرا حاسما في ربط الصناعة بالقطاع الفلاحي، بما يخلق نوعا من التكامل الذي يحد من هشاشة المنظومة برمتها.
ولا يقل البعد الاجتماعي أهمية عن المؤشرات التقنية والاقتصادية، إذ إن طاقما بشريا يناهز 1800 عامل وشبكة توزيع تمتد من الدار البيضاء إلى الداخلة، يضعان الشركة في موقع فاعل تنموي بامتياز، مقارنة بمقاولات تركز على الربح دون أثر اجتماعي واضح. من هذا المنظور، تكتسب إشادة الوزير بمجهودات المقاولة دلالة سياسية واقتصادية، لأنها تربط الاستثمار الصناعي الخاص بأهداف استراتيجية كبرى، على رأسها تعزيز السيادة الغذائية وخلق فرص الشغل المستدامة.
في المحصلة، تكشف هذه الزيارة أن استثمار 200 مليون درهم ليس رقما معزولا، بل جزء من مسار تحولي أوسع، يبرز كيف يمكن لمقاولة وطنية أن تنتقل من دور المنتج المحلي إلى فاعل صناعي استراتيجي، شرط اقتران التوسّع بالتحديث، وربط الربح بالبعد التنموي، في انسجام مع الرؤية الوطنية التي تجعل من الصناعة رافعة أساسية للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.





