بين تنفيس السد وإخلاء القرى: هل تنقذ الدولة القصر الكبير أم تعيد توزيع الفيضانات؟

الرباط: إستثمار

في ظل النشرة الإنذارية التي أصدرتها مصالح الأرصاد الجوية، وما رافقها من تحذيرات بشأن الارتفاع المحتمل لمنسوب وادي اللوكوس ووادي المخازن إلى مستويات قياسية، عادت مدينة القصر الكبير ومحيطها القروي إلى واجهة القلق الوطني، ليس فقط كحالة طارئة مرتبطة بسوء الأحوال الجوية، بل كنموذج صارخ لاختبار جاهزية الدولة في تدبير مخاطر الفيضانات وسياسات الوقاية الاستباقية.

التحذيرات التي تحدثت عن إمكانية بلوغ علو مياه وادي المخازن خمسة أمتار وامتلاء السد بنسبة مائة في المائة دفعت السلطات إلى اتخاذ قرار إخلاء أحياء واسعة من مدينة القصر الكبير، ثم توسيع هذا الإجراء ليشمل المجال القروي المحيط، بعد أن غمرت السيول أزيد من 13 حيًا وأعادت إلى الأذهان صور العزلة والهشاشة التي يعيشها سكان المنطقة مع كل موسم مطري استثنائي.

غير أن ما يثير القلق أكثر هو أن مخاطر الفيضانات لم تعد محصورة داخل المدار الحضري، بل امتدت لتكشف عمق الهشاشة البنيوية التي يعاني منها العالم القروي بإقليم العرائش. فقرار ترحيل سكان سبعة دواوير مجاورة، هي الموارعة، سكومة، عامر، الصوالح، بداوة النجيمة، شليحات، شنيعة وأولاد خزعل، يعكس حجم التهديد الذي بات يفرض نفسه بقوة، لكنه في الآن ذاته يفتح نقاشًا أوسع حول كلفة هذه القرارات على الساكنة القروية، التي تجد نفسها في كل مرة بين مطرقة السيول وسندان ضعف البنية التحتية.

السلطات وصفت عملية الإجلاء بـ«الإجراء الاحترازي»، مؤكدة توفير خيام ومستلزمات أساسية بجماعة سوق الطلبة، إلى جانب تجهيز إسطبلات لإيواء المواشي.

غير أن هذه الرواية الرسمية لا تخلو من ثغرات، خاصة في ظل انتقادات السكان لغياب الدعم الكافي لنقل قطعانهم وممتلكاتهم، وهو ما يطرح سؤال العدالة المجالية في تدبير الأزمات: هل يكفي توفير خيمة مؤقتة لتعويض خسائر قد تطال مصدر عيش أساسي لساكنة تعتمد على تربية الماشية والزراعة؟

الأخطر في هذا المشهد هو المفارقة التي يفرضها قرار تنفيس سد وادي المخازن. فبينما يهدف الإجراء إلى حماية الأحياء السكنية داخل مدينة القصر الكبير من الضغط المائي المتزايد، فإنه في المقابل يهدد بإغراق الدواوير المجاورة ومساحات فلاحية شاسعة، بما تحمله من خسائر اقتصادية واجتماعية محتملة. وهو ما يعيد طرح إشكالية توزيع المخاطر: من يحمي من؟ وعلى حساب من؟

إن تكرار سيناريوهات الفيضانات بهذه الحدة يكشف أن المقاربة المعتمدة لا تزال رهينة التدبير الاستعجالي، أكثر من كونها نتاج سياسة وقائية طويلة المدى. فإحداث فتحات في الحواجز المائية، وإخلاء السكان تحت ضغط الوقت، هي حلول ظرفية لا تعالج جذور الأزمة المرتبطة بتخطيط عمراني هش، وغياب صيانة كافية للمجاري المائية، وتأخر إنجاز حلول بنيوية تحمي المجالين الحضري والقروي معًا.

ومع توقع استقبال المنطقة كميات كبيرة من التساقطات المطرية خلال الأيام المقبلة، تتعاظم المخاوف من أن تتحول هذه الإجراءات إلى مجرد تأجيل لفاجعة محتملة، بدل أن تكون خطوة ضمن رؤية شاملة لإدارة مخاطر الفيضانات. فالقصر الكبير ونواحيها لا تحتاج فقط إلى تنفيس سدود، بل إلى تنفيس سياسات عمومية أنهكها منطق رد الفعل، على حساب التخطيط الاستباقي والإنصاف المجالي، حتى لا تظل كل نشرة إنذارية مقدمة محتملة لمأساة إنسانية متجددة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى