
تحويلات المهجر وسياحة العالم: ثنائية تصنع فائضاً مالياً تاريخياً للمغرب في 2025
الرباط: نارمان بنمسعود
تؤكد الأرقام الصادرة حديثاً عن مكتب الصفح مشهداً اقتصادياً متميزاً للمغرب، حيث تتضافر مصادر الدخل من الخارج لترسم صورة قوية للاقتصاد الوطني. فمع نهاية عام 2025، تجاوزت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج حاجز 122 مليار درهم، مسجلة نمواً ثابتاً وإن كان متواضعاً بنسبة 2.6% مقارنة بعام 2024 الذي سجل 118.9 مليار درهم. هذا الثبات ليس مجرد رقم، بل هو مؤشر عميق على متانة رابط الجالية بوطنها واستمرار دورها الحيوي كشريان مالي داعم للتوازنات الكلية، خاصة في عالم تتزايد فيه التحديات.
ويأتي تعزيز هذه الصورة من خلال أداء قطاع الخدمات الذي أبدى حيوية ملحوظة، حيث قفز فائضه إلى أكثر من 159.66 مليار درهم بنمو مذهل بلغ 14.2%. واللافت هنا أن هذا النمو لم يأتِ من انكماش الواردات، بل من نمو قوي ومتوازن في جانبي المعادلة؛ فقد ارتفعت الصادرات بنسبة 11.9% لتصل إلى حوالي 315 مليار درهم، بينما نمت الواردات بنسبة 9.7% إلى حوالي 155.37 مليار درهم. هذا التفوق في نمو الصادرات مقارنة بالواردات يُظهر قدرة القطاع على المنافسة والتحسن النوعي، بعيداً عن نماذج النمو المعتمدة على تقييد الطلب الداخلي.
وفي قطاع يعد بمثابة مقياس للانفتاح والجاذبية، حقق ميزان السفر إنجازاً بارزاً بتسجيل فائض تجاوز 105.12 مليار درهم، مندفعاً بنمو صاروخي بلغ 23.5%. يكمن سر هذا الأداء في الفجوة الكبيرة بين نمو العائدات التي قفزت بنسبة 20.6% لتقترب من 138.1 مليار درهم، ونمو النفقات الذي بلغ 12.3% مسجلاً حوالي 33 مليار درهم. هذه الهوة الواسعة لا تعكس فقط ازدهار القطاع السياحي وقدرته على اجتذاب العملة الصعبة، بل تبرز أيضاً كفاءته الاقتصادية العالية من خلال تحقيق عوائد تفوق بكثير ما ينفقه المقيمون المغاربة في أسفارهم إلى الخارج.
وبقراءة متأنية، نجد أن المشهد لا يقتصر على مجرد زيادة في الأرقام المطلقة، بل يكشف عن ثلاثة مسارات نوعية: أولاً، استقرار وتدفق ثابت لرأس المال الاجتماعي المتمثل في تحويلات المغتربين، والذي يشكل أساساً مالياً وأخلاقياً متيناً. ثانياً، قوة ديناميكية تنافسية في قطاع الخدمات، تثبت أن الاقتصاد قادر على توليد فائض من خلال التبادل التجاري الفعلي وليس من خلال سياسات انكماشية. ثالثاً، تفوق قطاع السياحة كرافد رئيسي للعملة الصعبة، مما يدل على نجاح سياسات تطوير العرض السياحي وزيادة قدرته على المنافسة الدولية. مجتمعة، ترسم هذه العناصر صورة لاقتصاد لا يدافع فقط عن مواقعه، بل يتقدم بقوة في ظل بيئة عالمية متقلبة، معززاً مناعته المالية وقدرته على توليد الثروة من مصادر خارجية متنوعة ومتزايدة.





