
ريادة أعمال على الورق: حين يتحوّل دعم الشباب إلى اختبار للصبر والثقة
الرباط: ريم بنكرة
في الوقت الذي لا يكاد يخلو فيه خطاب رسمي من الدعوة إلى تعزيز ريادة الأعمال لدى الشباب، تبدو التجربة الميدانية لعدد كبير من حاملي المشاريع في المغرب أقرب إلى مسار شاق لاختبار الصبر، أكثر منها طريقًا للتمكين الاقتصادي. فبين الوعود المتكررة بخلق جيل جديد من رواد الأعمال، والواقع الذي يفرضه تعقيد المساطر وتأخر التمويلات، تتسع فجوة مقلقة تضع مصداقية السياسات العمومية في هذا المجال موضع تساؤل.
منذ إطلاق برامج مثل “فرصة”، و“أفواج”، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، رُوِّج لهذه المبادرات باعتبارها أدوات عملية لإدماج الشباب في الدورة الاقتصادية، وتجاوز إكراهات البطالة عبر تشجيع المبادرة الفردية. غير أن الطموح المعلن اصطدم سريعًا بواقع إداري وبنكي معقّد، حوّل حلم إنشاء مشروع خاص إلى مسار مليء بالعراقيل، يبدأ بالتسجيل ولا ينتهي غالبًا عند حدود التمويل.
يشتكي عدد من الشباب الحاصلين على الموافقة المبدئية من تأخر صرف الدعم المالي لأشهر طويلة، في ظل غياب تواصل واضح يشرح أسباب التأخير أو يحدد آجالًا دقيقة للتنفيذ. هذا التأخير لا يظل أثره تقنيًا أو إجرائيًا فحسب، بل يتحوّل إلى عامل قاتل للمشاريع الناشئة، التي تعتمد في مراحلها الأولى على عامل الزمن بقدر اعتمادها على رأس المال. ففكرة المشروع التي تكون قابلة للحياة في لحظة معينة، قد تفقد جدواها بعد شهور من الانتظار، وسط ارتفاع التكاليف وتغيّر شروط السوق.
إلى جانب إشكالية التمويل، تبرز تعقيدات المساطر الإدارية كأحد أبرز معيقات ريادة الأعمال في المغرب. فالشاب الذي يُطلب منه أن يكون مبتكرًا ومغامرًا، يجد نفسه في مواجهة شبكة من الإجراءات المتداخلة، والتراخيص المتعددة، والمتطلبات البنكية الصارمة، التي تتعامل مع المشروع الناشئ بعقلية المقاولة الكبرى. يُطلب منه إعداد ملفات تقنية ومالية معقّدة، وتقديم ضمانات شخصية، وإثبات خبرة سابقة، وكأننا أمام مستثمر محترف لا شاب في بداية مساره.
المفارقة أن الخطاب الحكومي يرفع شعار “تبسيط المساطر” و“مواكبة الشباب”، في حين تعكس الممارسة اليومية منطقًا احترازيًا يرى في كل مشروع جديد مخاطرة يجب تطويقها بالإجراءات، لا فرصة ينبغي تشجيعها. وبدل أن تشكّل برامج الدعم فضاءً للتجريب المحسوب والتعلّم من الخطأ، تتحوّل إلى آليات انتقائية لا ينجو منها سوى من يمتلك القدرة على المناورة داخل التعقيد الإداري، أو من يتوفر على دعم غير معلن من شبكات العلاقات.
هذا الوضع يخلّف أثرًا نفسيًا واجتماعيًا عميقًا لدى الشباب. فالإحباط لا ينتج فقط عن فشل مشروع، بل عن الإحساس بأن الخطاب الرسمي لا يعكس حقيقة ما يجري على الأرض. كثيرون يشعرون بأنهم استُخدموا كأرقام في تقارير النجاح، أو كأمثلة في العروض التقديمية، دون أن تُوفَّر لهم الشروط الواقعية للاستمرار. وهكذا، بدل أن تعزّز هذه البرامج الثقة في المؤسسات، تُسهم في تعميق الشعور بالخذلان واللايقين.
لا يعني هذا النقد إنكار أهمية التوجه نحو دعم ريادة الأعمال، ولا التقليل من قيمة المبادرات التي أُطلقت، بل يضعها في سياقها الصحيح: سياق يحتاج إلى مراجعة جريئة تتجاوز منطق الإعلان إلى منطق الأثر. فريادة الأعمال ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل منظومة متكاملة تتطلب وضوحًا في الرؤية، وسرعة في التنفيذ، وتبسيطًا حقيقيًا للإجراءات، وتعاملًا مختلفًا مع الفشل باعتباره جزءًا من التجربة لا وصمة دائمة.
إن الرهان على الشباب لا يمكن أن ينجح ما لم يُترجم إلى سياسات منسجمة تحمي المشروع الناشئ في مراحله الأولى، وتوفّر له تمويلًا في الوقت المناسب، ومواكبة حقيقية لا شكلية. دون ذلك، سيظل الحديث عن ريادة الأعمال في المغرب يدور في حلقة مفرغة: وعود كبيرة، إنجازات محدودة، وشباب يُطالَب دائمًا بالمبادرة… بينما يُترك وحيدًا في مواجهة التعقيد.





