عصر الشعارات اللامعة: كيف نُرقمن البيروقراطية، ونُخصخص الفشل، ونُحوّل الثقافة إلى ديكور؟

الرباط: بقلم الدكتور المهدي الجرباوي

هل نعيش فعلًا زمن التحوّل، أم زمن إعادة تسمية الواقع نفسه بلغة أكثر لمعانًا؟ سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يختصر مفارقة كبرى تحكم علاقتنا اليوم بثلاثة مفاهيم تُقدَّم بوصفها مفاتيح الخلاص: التحوّل الرقمي، ريادة الأعمال، ودعم الثقافة. مفاهيم تُسوَّق باعتبارها وعدًا بمستقبل أكثر ذكاءً، وأكثر حرية، وأكثر إبداعًا، لكنها في الممارسة اليومية كثيرًا ما تنقلب إلى آليات ناعمة لإدارة الإحباط، ونقل العبء، وتجميل الاختلالات بدل معالجتها.

في خطاب التحوّل الرقمي، يُقدَّم الأمر كما لو أننا انتقلنا فجأة من زمن الورق إلى زمن البيانات، ومن الطوابير إلى النقرات الذكية. غير أن التجربة المعيشة للمواطن تكشف عن مفارقة صارخة: الرقمنة هنا لا تلغي المسار القديم، بل تُراكمه. ندخل المنصة الإلكترونية لننتهي في النهاية إلى نفس الشباك، نحمل نفس الوثائق، وننتظر نفس الردود. الجديد الوحيد هو أننا أُضيف إلينا عبء تقني إضافي: حسابات، كلمات سر، منصات معطّلة، ورسائل آلية لا تجيب عن شيء.

ما يحدث في العمق ليس تحوّلًا رقميًا بقدر ما هو رقمنة للبيروقراطية. بدل ورقة واحدة، أصبح لدينا ملف رقمي ناقص، وبدل ملاحظة شفوية، صرنا أمام “خطأ تقني غير معروف المصدر”.

تُقدَّم الواجهات الحديثة بوصفها إنجازًا، بينما تبقى العقلية الإدارية كما هي: عقلية الشك، والتعقيد، واعتبار المواطن متهمًا إلى أن يثبت العكس. وهكذا يتحوّل الحق في الولوج إلى المرفق العمومي من مبدأ دستوري إلى امتياز مشروط بالكفاءة التقنية، وسرعة الإنترنت، والقدرة على السهر لاصطياد موعد على منصة تشتغل حين تشاء وتتوقف حين تشاء.

أما ريادة الأعمال، فتُرفع اليوم إلى مرتبة الخطاب الأخلاقي: إن لم تجد عملًا، فالخلل فيك، لا في النظام. “اصنع وظيفتك بنفسك” جملة جذابة، لكنها تخفي خلفها انسحابًا تدريجيًا للمسؤولية العمومية. يُطلب من الشاب أن يكون مبادرًا، لكن داخل متاهة إدارية صُمّمت أصلًا لعرقلة أي حركة غير متوقعة. الرسالة غير المعلنة واضحة: بادر، ولكن ببطء؛ خاطِر، ولكن ضمن حدود خانقة؛ احلم، ولكن لا تخرج عن النموذج.

في المنتديات تُروى قصص النجاح، لكن لا أحد يتحدث عن سنوات الاستنزاف في التراخيص، والغموض الضريبي، والانتظار القاتل للجان لا تجتمع إلا نادرًا. الدعم موجود في العناوين، أما في الواقع فالشاب مطالب بخطة عمل معقّدة، وضمانات لا يملكها، وخبرة سابقة في مجال لم يُسمح له بدخوله إلا عبر هذا المشروع نفسه.

وعندما يفشل، يُقال له إن “ريادة الأعمال ليست للجميع”، وكأن الفشل قدر فردي لا نتيجة منظومة طاردة.
وفي الثقافة، يبلغ التناقض ذروته. لا يكاد يخلو خطاب رسمي من الحديث عن دعم الفنون، وعن الثقافة كرافعة للتنمية، وعن القوة الناعمة. لكن ما يُدعم فعليًا هو العرض لا الجوهر، الافتتاح لا الاستمرارية، الصورة لا الفعل الثقافي نفسه. تُصرف الميزانيات على المهرجانات والديكور، بينما يُترك الفنان يفاوض وحده على أجره، ويشتغل بلا عقد واضح، وبلا حماية اجتماعية، وبلا أفق مهني مستقر.

يُستدعى الفنان لملء الفراغ بين خطابين، أو لتزيين مناسبة رسمية، ثم يُشكر على “مساهمته القيّمة”، مساهمة يُفترض أن تعيش على التصفيق لا على العمل. تُفتتح مراكز ثقافية بلا برامج، ومكتبات بلا كتب، ومسارح بلا فرق قارة. تُسمّى كل هذه العملية “صناعة ثقافية”، بينما هي في الواقع أقرب إلى اجتهادات فردية تُستنزف ثم تُنسى، أو تُستثمر رمزيًا حين تحقق صدى إعلاميًا.

ما يجمع بين هذه المجالات الثلاثة هو منطق واحد: تسويق الوهم بوصفه إنجازًا. التحوّل الرقمي يتحوّل إلى واجهة، وريادة الأعمال إلى خطاب يخصخص الفشل، والثقافة إلى مسرح بروتوكولي. نستهلك هذه الوعود جماعيًا، نعتاد عليها، ونتكيّف مع تناقضاتها، بدل أن نسائلها. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: حين تصبح الشعارات بديلًا عن السياسات، والعرض بديلًا عن الإصلاح، والتكيّف بديلًا عن التغيير.

السؤال الجوهري إذن ليس: هل لدينا منصات رقمية، أو برامج لريادة الأعمال، أو مهرجانات ثقافية؟ بل: أي إنسان تصنعه هذه المنظومات؟ هل تصنع مواطنًا فاعلًا، ناقدًا، شريكًا في القرار؟ أم فردًا مُنهكًا، يُطالَب دائمًا بالتأقلم، ويُقنع نفسه بأن الخلل فيه لا في البنية التي تحكمه؟
الانتقال الحقيقي لا يبدأ من تغيير المصطلحات، بل من كسر منطق الوهم.

من تحويل التحوّل الرقمي إلى إعادة تصميم جذرية للإدارة، لا قناعًا لها. ومن جعل ريادة الأعمال خيارًا ممكنًا لا مغامرة عقابية. ومن التعامل مع الثقافة باعتبارها قطاعًا منتجًا للمعنى والقيمة، لا زينة موسمية. إلى ذلك الحين، سنظل نعيش عصر الشعارات اللامعة، نُصفّق كثيرًا، وننتظر طويلًا، بينما يُعاد إنتاج نفس الواقع… لكن بلغة أحدث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى