
النفط على صفيح ساخن: هل تُطفئ “أوبك+” نار الجبهات ببراميل إضافية؟
الرباط: إستثمار
تتقاطع السياسة بالنفط مرة أخرى عند لحظة حساسة، حيث ينعقد اجتماع تحالف أوبك+ في ظل تصعيد عسكري بين واشنطن وطهران يعيد إلى الواجهة هاجس اضطراب الإمدادات. فبينما تتصاعد أعمدة الدخان في الإقليم، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت صمامات الإنتاج ستُفتح بوتيرة أسرع لامتصاص صدمة محتملة في الأسواق.
المعطيات المسربة تشير إلى أن خيار تسريع زيادة الإنتاج بات مطروحاً بقوة، مقارنة بالنهج الحذر الذي اعتمده التحالف منذ أبريل الماضي. ففي الربع الأخير من 2025، فضّلت المجموعة سياسة التدرج، مضيفة نحو 137 ألف برميل يومياً شهرياً، في محاولة لضبط التوازن بين دعم الأسعار ومنع اختناقات في المعروض. ذلك النهج عكس قراءة مفادها أن السوق لا يحتمل قفزات مفاجئة، وأن الاستقرار أهم من المكاسب الظرفية.
غير أن السياق الحالي يختلف جذرياً. فإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إطلاق عملية عسكرية “واسعة النطاق” ضد إيران، عقب ضربات إسرائيلية داخل أراضيها، وضع منطقة الخليج – الشريان الحيوي لتدفقات الطاقة العالمية – تحت مجهر المخاطر. أي تهديد فعلي للملاحة أو للبنية التحتية النفطية قد يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية خلال فترة وجيزة، بما ينعكس على التضخم العالمي والنمو الاقتصادي.
هنا يبرز البعد المقارن: في أزمات سابقة، فضّلت “أوبك+” الدفاع عن الأسعار عبر تقييد الإمدادات، كما حدث خلال جائحة كورونا أو فترات فائض المعروض. أما اليوم، فالمعادلة معكوسة؛ إذ يصبح ضخ مزيد من الخام أداة لتهدئة الأسواق لا لتعزيز الإيرادات. الفرق بين المقاربتين يعكس تحوّلاً في وظيفة التحالف: من إدارة فائض إلى إدارة مخاطر جيوسياسية.
لكن القرار ليس تقنياً فحسب، بل سياسي أيضاً. فزيادة الإنتاج في هذا التوقيت قد تُقرأ كرسالة طمأنة للأسواق الغربية، خصوصاً في ظل الضغوط التي تواجهها الاقتصادات الكبرى. وفي المقابل، قد يثير ذلك تساؤلات داخلية بين أعضاء التحالف حول توزيع الأعباء والمكاسب، خاصة لدى الدول التي تعتمد ميزانياتها على أسعار مرتفعة نسبياً لتحقيق التوازن المالي.
إضافة إلى ذلك، فإن تسريع الزيادة يحمل مخاطرة مزدوجة: فإذا هدأت التوترات سريعاً، قد يجد السوق نفسه أمام فائض جديد يضغط على الأسعار نزولاً. أما إذا تصاعدت المواجهة وأثرت فعلياً على الإمدادات، فقد تبدو الزيادة غير كافية لاحتواء القفزة السعرية. بهذا المعنى، تتحرك “أوبك+” في مساحة ضيقة بين الإفراط في الحذر والمبالغة في الاستجابة.
التحالف يدرك أن أمن الطاقة لم يعد مفهوماً اقتصادياً صرفاً، بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن القومي للدول الصناعية والمنتجة على حد سواء. لذلك فإن أي قرار يصدر عن اجتماعه المرتقب لن يكون مجرد رقم يضاف إلى معادلة العرض والطلب، بل إشارة سياسية حول موقعه في خريطة التوازنات الدولية.
في المحصلة، يقف سوق النفط أمام اختبار جديد: هل تنجح “أوبك+” في لعب دور صمام الأمان كما فعلت في أزمات سابقة، أم أن تسارع الأحداث الميدانية سيفرض إيقاعاً يتجاوز قدرة المنتجين على الضبط؟ بين نار الجبهات وحسابات البراميل، يتحدد مستقبل الأسعار… وربما شكل النظام الطاقي العالمي في مرحلة ما بعد التصعيد.





